مقالات طبية متنوعة

أدوية الضغط و الكورونا

ما الدور الذي تلعبه بعض أنواع أدوية الضغط في وباء الكورونا؟

آخر الدراسات و الإرشادات و المستجدات –

د. لؤي الحسيني

استشاري الأمراض الصدرية والعناية الحثيثة والنوم

في ظل الإنتشار الوبائي لفيروس الكورونا المستجد، ومع ازدياد الأبحاث المتعلقة بفهم ميكانيكية العدوى و سلوك الفيروس داخل الجسم المصاب، و مع تحديد العلماء لآلية دخول الفيروس إلى داخل خلايا الرئة عن طريق ارتباطه بأحد المستقبلات الموجودة على سطح الخلايا، و لكون هذه المستقبلات مرتبطة بآلية عمل ووظيفة بعض أنواع الأدوية المستخدمة في علاج ارتفاع ضغط الدم…لكل ما سبق، برز سؤالٌ طبيٌّ مٌلِحٌّ و مهم: هل استخدام هذا النوع من أدوية الضغط يؤثر- سلباً أو إيجاباً -على مستخدميه زمن انتشار الكورونا الذي نشهده الآن؟ هل يؤدي استخدام هذا النوع من أدوية الضغط إلى تخفيف نسبة وشدة التهاب الكورونا أم أنه – على العكس – سيزيد فرصة التقاط العدوى و شدة المرض؟ دعونا نبدأ الحكاية من أولها.

الكورونا نوع من أنواع الفيروسات، وجميع الفيروسات ورغم أنها تحتوي على مادة وراثية على شكل DNA  أو RNA، إلا أنها لا تستطيع التكاثر من تلقاء ذاتها، لأنها لا تملك الآلية الجزيئية الدقيقة اللازمة لنسخ و تصنيع المادة الوراثية التي سَتٌمَرَّرُ إلى النسل، أي أن الفيروسات ببساطة لا تستطيع الإنقسام بذاتها لإنتاج ذريتها. ولذلك فإنها تعتمد اعتماداً كلياً على خلايا الكائنات الأخرى لإتمام عملية التوالد، فبمجرد أن تجد الفيروسات ضحيتها من خلايا الغير ( إنساناً كان أو حيواناً أو أي كائن آخر) تقوم بالإرتباط أولاً ببعض المستقبلات الموجودة على سطح الخلية الضحية، عندئذٍ يُدْخِلُ الفيروس مادتَهُ الوراثية ( DNA  أو RNA ) إلى داخل الخلية المصابة، ثم يقوم بالاستيلاء على ماكينة التوالد الخاصة بالخلية و تحويل مسار عملها لخدمته هو، فتبدأ منظومة التوالد بنسخ وإنتاج المادة الوراثية الخاصة بالفيروس مما يُنْتج ذريةً بالآلاف من الفيروسات الجديدة، التي ما تلبث أن تخرج من الخلية المصابة إما بقتلها أو بالنفاذ عبر جدارها إلى الخارج، لتقوم الفيروسات الجديدة بإعادة دورة السطو على الخلايا…وهكذا.

إذن، فإن أول مرحلة تماسٍ بين الفيروس و الخلية الضحية هي مرحلة ارتباط الفيروس ببعض المستقبلات الموجودة على سطح الخلايا. وفي حالة الكورونا المستجد, تبين للعلماء أن أحد أهم هذه المستقبلات الموجودة على أسطح خلايا الرئتين مستقبل يدعى (ACE 2)، الذي يرتبط الكورونا به متخذاً إياه وسيلةً للولوج إلى داخل خلايا الرئتين. لكنَّ هذا المستقبل لا يقتصر وجودُه على خلايا الرئة، فقد ثبت منذ سنوات طويلة وجودُ هذا المستقبل في خلايا أعضاء أخرى من الجسم, و منها خلايا الكلى. و تبين أن لهذا المستقبل و الإنزيمات المرتبطة به  دوراً أساسياً في ارتفاع ضغط الدم, و بالتالي تمكن العلماء منذ فترة طويلة من تطوير أدوية تعطل عملَ هذا المستقبل و تعيق دَوْرَهُ، مما يُؤدي إلى السيطرة على ارتفاع ضغط الدم عند نسبة كبيرة من مرضى الضغط. و شاع استخدام هذه الأدوية، وأعطت نتائج ممتازة، ولا يزال هذا النوع من الأدوية يشكل أحد أهم أنواع علاجات ارتفاع ضغط الدم. و أطلق على هذه الأدوية اسم: مثبطات المستقبل ACE Inhibitors – ACE. ومع تطور الأبحاث, تبين أن لهذا النوع من الأدوية دوراً حيوياً في علاج ضعف عضلة القلب, و أضحت هذه العلاجات من أُسُسِ قائمة علاجات مرض قصور القلب. 

والآن اعتقد أن الصورة قد اتضحت لديكم: هناك عشرات آلاف المرضى المصابين بارتفاع الضغط، الذين يستخدمون علاجات (ACE Inhibitors) التي تمارس عملها بتثبيط المستقبل الموجود على خلايا مختلفة و منها خلايا الرئتين، و هو ذات المستقبل الذي يستخدمه فيروس الكورونا المستجد للدخول إلى داخل الخلايا للتكاثر.

ومن هنا ثار التساؤل: كيف سيؤثر استخدام هذه الأدوية في ظل انتشار الفيروس؟ هل استخدامها يخفف أم يزيد من احتمالية العدوى بالكورونا المستجد؟ وإذا أصيب الشخص بالعدوى، هل ستؤثر هذه الأدوية على الأعراض زيادة ً أو نقصاناً؟ 

الحقيقة أن الآراء العلمية انقسمت بين مؤيدٍ لدورِ هذه الأدوية الإيجابيِ و بين مُحذِّرٍ من دورِها السلبي بالنسبة لعدوى الكورونا المستجد. و لا يخفى على أحد أهمية هذا الأمر: هل يستمر الشخص المستخدم لهذه العلاجات عليها؟ أم أن عليه أن يغيِّرها إلى أنواع أخرى لا علاقة لها بالكورونا؟  لَعَلَّهُ حين يغير نوعيةَ الأدوية يفقد الدور المحتمل لها في الحماية من الفيروس؟ أو لعلَّهُ إن استمر عليها أن يزيد خطورة الوباء إن وقع عليه ؟ ثم إن تغيير العلاج قد يُعَقِّدُ عملية السيطرة على ارتفاع الضغط و قد يحتاج المريض إلى أسابيع عدةٍ لإعادة ضبط الضغط عند استخدام أدوية جديدة؟ و الأخطر من ذلك أن هذه الأدوية – بالإضافة إلى كونها ضابطةً لارتفاع ضغط الدم – تلعب دوراً أساسياً و حيوياً في أمراض ضعف عضلة القلب، وقد ينشأ عن إيقاف استخدامها تدهورٌ و انتكاسةٌ لوظيفة عضلة القلب لا يحمد عقباها. ثُمً هَبْ جدلاً أن هذه الأدوية تزيد من خطورة الإصابة بالكورونا، فهل تمثل نسبة  هذه الخطورة سبباً طبياً مقنعاً لإيقافها في مرضى القلب المعرضين أصلاً للعدوى أشد خطورةً ؟ ألن تزداد خطورة الإصابة نتيجة تدهور وظيفة القلب بأكثر من الخطورة المحتملة من الإستمرار على العلاج؟ ثم، وفي ضوء الضبابية و عدم اليقين حول دور هذه الأدوية في حالة الإصابة بالكورونا ، ما هو دور الطبيب المعالج لمرضى الضغط ؟ هل يتصرف بناءً على قناعته و خبرته و مطالعاته، أم يحيل قرار تغيير الدواء أو إبقائه على المريض بعد شرح الأبعاد المتوقعة لأية خطوة مقبلة؟ أليس من حق المريض أن يتخذ هذا القرار الذي يمس صحته مباشرة؟ هذه كلها أسئلةٌ دارت في خلد الأطباء و العلماء, و مضوا فيها ذهاباً و جيئةً، و أوسعوها بحثاً و دراسةً، حتى تمكنوا من الوصول إلى الاستنتاجات و النصائح التالية:

أولاً: بناءً على التوصية المقدمة من اللجنة المختصة في ارتفاع ضغط الدم في الجمعية الأوروبية لأمراض القلب “توصي اللجنة بشدة الأطباء والمرضى  أن يستمروا على علاجهم المعتاد لارتفاع ضغط الدم لأنه لا توجد أدلة سريرية أو علمية تشير إلى ضرورة وقف العلاج مع ACEIs أو ARBs بسبب عدوى COVID-19 “.

ثانياً: أصدرت جمعية القلب الأمريكية ، وجمعية مرض قصور القلب الأميركية ، والكلية الأمريكية لأمراض القلب بيانًا مشتركًا يدعو المرضى إلى مواصلة ACEIs و ARBs على النحو المنصوص عليه،  وأن أي توجيهات لتغييرالأدوية ينبغي أن يخضع لتقييم دقيق للغاية قبل إقراره.

ثالثاً: أصدرت الجمعية البريطانية لأمراض القلب و الأوعية الدموية تصريحاً أنه: “لا يوجد دليلٌ واضحٌ يشير إلى أي تأثيٍر ضارٍّ لمثبطات إنزيم تحويل الأنجيوتنسين وحاصرات مستقبلات الأنجيوتنسين  ACEIs و ARBs فيما يخص عدوى COVID-19. 

وصدرت نفس التوصيات عن العديد من الجمعيات الطبية المختصة في العالم، نذكر منها:

  • البيان المشترك لجمعية القلب والأوعية الدموية البريطانية (BCS) مع الجمعية البريطانية لفشل القلب (BSH) الصادر في ١٩/۳/۲۰۲۰ 
  • بيان جمعية أمراض الكلى البريطانية الصادر في ١٥/۳/۲۰۲۰
  • بيان الجمعية الكندية لأمراض القلب و الأوعية الدموية الصادر في١٥/۳/۲٠۲٠ 
  • بيان الجمعية الطبية النيوزلندية  الصادر في ۳/٤/۲٠۲٠

إذن، فالمحصلة من هذه التعليمات والإرشادات تدعو إلى ضرورة استمرار المرضى الذين عولجوا بـ ACEIs و ARBs على علاجاتهم.وفي نفس الوقت على هؤلاء المرضى التقيد بتعليمات الوقاية من العدوى، كتجنب الحشود ، والأحداث الجماعية ، والرحلات، والسفر الجوي لفترات طويلة، وضرورة التواصل مع الطبيب المختص عند شعورهم بأعراض شبيهة بأعراض الكورونا المستجد.

ملاحظة: هذه محصلة المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع حتى تاريخه، لذا نرجو من الجميع أخذ هذا الأمر بعين الإعتبار، إذ لا زالت الأبحاث تجرى و عينات المرضى تدرس، ومن يدري، فقد تسفر الأيام القادمة عن نصائح جديدة. نسأل الله السلامة للجميع.

Resources:

1-de Simone, Giovanni. “Position Statement of the ESC Council on Hypertension on ACE-Inhibitors and Angiotensin Receptor Blockers.” European Society of Cardiology, 13 Mar.2020, www.escardio.org/Councils/Council-on-Hypertension-(CHT)/News/position-statement-of-the-esc-council-on-hypertension-on-ace-inhibitors-and-ang.

2-Bozkurt, Biykem, et al. “HFSA/ACC/AHA Statement Addresses Concerns Re: Using RAAS Antagonists in COVID-19.” American College of Cardiology, 17 Mar. 2020, www.acc.org/latest-in-cardiology/articles/2020/03/17/08/59/hfsa-acc-aha-statement-addresses-concerns-re-using-raas-antagonists-in-covid-19

3-“BSH & BCS Joint Statement on ACEi or ARB in Relation to COVID-19.” BCS, 19 Mar. 2020, www.britishcardiovascularsociety.org/news/ACEi-or-ARB-and-COVID-19.

4-https://renal.org/covid-19/ra-resources-renal-professionals/renal-association-uk-position-statement-covid-19-ace-inhibitorangiotensin-receptor-blocker-use/

5-Hoffmann, M. “COVID-19 and Concerns Regarding Use of ACEi/ARB/ARNi Medications for Heart Failure or Hypertension.” Https://Www.ccs.ca/Images/Images_2020/CCS_CHFS_statement_regarding_COVID_EN.Pdf, 2020, Bozkurt, Biykem, et al. “HFSA/ACC/AHA Statement Addresses Concerns Re: Using RAAS Antagonists in COVID-19.” American College of Cardiology, 17 Mar. 2020, www.acc.org/latest-in-cardiology/articles/2020/03/17/08/59/hfsa-acc-aha-statement-addresses-concerns-re-using-raas-antagonists-in-covid-19

6- Bozkurt, Biykem, et al. “HFSA/ACC/AHA Statement Addresses Concerns Re: Using RAAS Antagonists in COVID-19.” American College of Cardiology, 17 Mar. 2020, www.acc.org/latest-in-cardiology/articles/2020/03/17/08/59/hfsa-acc-aha-statement-addresses-concerns-re-using-raas-antagonists-in-covid-19.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى