مقالات طبية متنوعة

اختلاف معدلات الكورونا بين الشعوب

لا يستطيعُ المرؤُ إلاَّ أنْ يعاودَ الحديثَ عن الكورونا كلما ظنَّ أنَّه قد ابتعد عنه، إذ يبدو أنَّ هذا الفيروسَ خبيرٌ بالنفس البشرية قَدْرَ خِبْرَتِهِ بأجسامها، ويعرفُ كيف يتلاعبُ بهواجسِ الإنسان و ظنونِه فيجعلَه دائمَ البحثِ عن أخبار الفيروس، ودائمَ التساؤل والحيرة عن خبايا المرض و مآلاته.

و مما يجولُ في خاطرِ العلماء والعامة هذه الأيام سؤالٌ جديرٌ بالبحث والتحقيق…لماذا تفاوتتْ نسبةُ الإصابة بالكورونا بين الدول والشعوب؟  لماذا حصد الفيروس أرواحَ عشراتِ الألوف في دولٍ أوروبيةٍ متقدمةٍ ومُحَصَّنَةٍ بالعلم و المال؟  بينما لم تُسَجَّل سوى بضعُ مئات من الإصابات  في دول أخرى، بعضها أكثرُ كثافةً سكانيةً وأقلَّ استعداداً لمواجهة الأوبئة؟ 

على سبيل المثال، فحتى تاريخ ٦/٥/٢٠٢٠ سُجلِّت في نيجيريا ذات المائتي مليون نسمة حوالي ثلاثة آلاف إصابة، بينما بلغ مجموع إصابات إسبانيا ربع مليون حالة من أصل مجموع السكان البالغ ستة و أربعين مليون نسمة. 

لم تحسم الإجابةُ بعد، و لم يعرف للآن سببُ هذا التفاوت في نسب الإصابة، بيد أن عدداً من الأسباب المقترحة لتفسير هذه الظاهرة يجري الآن بحثُه و دراستُه. وتشمل هذه الأسباب النقاط التالية:

 الجينات:

يصيبُ فيروس الكورونا المستجد البشرَ عن طريق ربط نفسِهِ بمستَقْبِلٍ معينٍ على خارج الخلايا يسمى ACE2 ، والذي يستخدمه الفيروسُ للدخول و السيطرة على الخلايا المصابة. و قد تلعبُ الاختلافاتُ الطفيفةُ في الجينات المسؤولة عن تلك المستقبلات دورًا في كيفية و درجة إصابة الشخص. كذلك فقد أشارتْ بعضُ الدراسات إلى أنَّ فصيلةَ الدم ، التي تحددها الجينات ، يمكن أنْ تُغَيِّرَ شدةَ أعراض التهاب Covid-19. فقد وجدتْ دراسةٌ أوليةٌ أجريت في ووهان ، الصين ، أنَّ المرضى الذين من فصيلة الدم A لديهم أعراضٌ أكثرُ حدةً من أولئك الذين يحملون فصيلة الدم O.

المطاعيم السابقة

لاحظَ الباحثون مؤخرًا شيئًا  مثيرًا للدهشة إلى حد ما:وهي أنَّ البلدان التي تقدم تطعيمَ السُّلِّ (BCG) ضمن برامج التطعيم لسكانها كان لديها حالات ووفيات من Covid-19 من غيرها.  بينما البلدان الأكثر تضرراً من المرض ، مثل إيطاليا والولايات المتحدة ، لا يوجد لديها برامج تطعيم ضد السل. و هناك دراسات تجري الآن في أستراليا وهولندا لمعرفة ما إذا كان لقاحُ السل يمكن أن يمنع ويقلل من شدة Covid-19.

نسبة كبار السن في المجتمع

إنَّ ارتفاعَ نسبةِ الوفيات في الدول الغربية قد يُعزى إلى ازدياد نسبة المعمرين و كبار السن في تلك المجتمعات. و معلومٌ أنَّ التهابَ الكورونا المستجد تشتدُّ وطأتُهُ على فئة كبار السن. 

وإذا ما نظرنا إلى متوسط ​​العمر المتوقع  كمؤشرً لنسبة كبار السن في المجتمعات، نجده يبلغُ في نيجيريا ٥٤ عاماً بينما يبلغ في إسبانيا ٨٣ عاماً و في بريطانيا ٨۱ عاماً. 

اختلاف نسب إجراء الفحص و تقصي الحالات 

وقد يكون هذا العامل من أهم عوامل تفاوت نسب الإصابة و الوفاة. بمعنى: أن عدد الإصابات يزداد بازدياد كثافة الفحوصات التي تجرى على السكان. ولذا فقد تكون الزيادة الكبيرة في حالات الإصابة في الدول الغربية ناتجةً عن إجراء عدد أكبر من الفحوصات مقارنة بالدول صاحبة الإقتصاديات الأضعف والتي لا تستطيع مجاراةَ الغربِ في عدد الفحوصات، مما يتسبب في الوقوع في وَهْمِ قلة الإصابات في تلك المجتمعات.

العوامل الجيوسياسية

وهذه بالطبع متروكةٌ للحَدس السياسي والإستراتيجيات الأيدلوجية في تفسير الأحداث العالمية، و دورِ الساسةِ في توجيه البوصلة قريباً من أو بعيداً عن البؤر الساخنة في العالم. لذلك فأنت ترى كيف يشكِّكُ الغرب – مثلاً – بنسب الإصابات في الصين و إيران بادعاءِ أنَّ نظم الحكم الشمولية تميل إلى إخفاء حقيقة عدد الإصابات. هذا عدا عن محاولات بعض الأنظمة السياسية الغربية إلصاق تهمة تطوير أو نشر الفيروس أو التقصير في الإبلاغ عن انتشاره مبكراً من قبل السلطات الصينية. و في المقابل، فإن الأنظمة السياسية في شرق العالم تسعى لإثبات رصانة البنية المجتمعية و الصحية و العلمية لديها، مقابل هشاشة نفس المعايير في الأنظمة الغربية التي أوهمت العالم – بزعمهم – بمزاعم التطور و الرقي و التميز. و بنفس المنطق، يمكن ملاحظة ما يدور في خلد بعض الساسة الأمريكان من تخوفهم أن يتمَّ استغلالُ جائحةِ الكورونا بما يخدم مصالحَ حزبيةً في الإنتخابات الأمريكية المقبلة.

إذن، تتداخلُ عواملُ شتى في تحديد نسب الإصابة و الوفاة بين شعوب العالم المختلفة، وهذا ليس إلا غيضٍ منْ فيضٍ، فلا زال طريقُ البحث في أوَّلِه، و النتائج بحاجةٍ إلى تمحيصٍ و تدقيقٍ، و َتَغُّير ديموغرافيا الفيروس و شدته لا زالت احتماليةً قائمةً. كل ما في الأمر أننا نحاول أن نفهمَ هذا الوباء…أو على الأقل نحاول أنْ نجدَ ما يوصلنا إلى بعض الفهم…مهما كان هذا الفهم جزئيّاً….

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى