مقالات طبية متنوعة

الأسبرين للوقاية من أمراض القلب

هل لا زال فرس الرهان الرابح؟ أم أن بقاء الحال من المحال؟

لسنوات طويلة كان أحد أكثر استخدامات الأسبرين شيوعاً هو استخدامه عند الأصحاء من الذين تجاوزوا سن الأربعين أو الخمسين أملاً في تجنب حدوث جلطات القلب أو الدماغ. وكان الأمر يبدو منطقياً: فالأسبرين يثبط عمل الصفائح الدموية المسئولة جزئياً عن حدوث الجلطات، وقد أثبت الأسبرين فعالية عالية في علاج الجلطات، فلم لا يستخدم للوقاية من الجلطات قبل حدوثها؟!، خاصة فيمن تجاوزوا سن الخمسين حيث تبدأ أمراض الشرايين وتصلبها. وكانت إحدى أولى التجارب التي وصفت دورًا إيجابيًا للأسبرين في الوقاية من جلطات القلب في الشباب الأصحاء دراسةٌ نشرت في المجلة الطبية الأشهر (The New England Journal of Medicine ) سنة ١٩٨٩ والتي أظهرت انخفاضاً في حدوث جلطات القلب، لكن دون تأثير إيجابي على خطر السكتة الدماغية أو الوفاة. وللمفارقة، فقد أجريت دراسة مماثلة على النساء الأصحاء لدراسة تأثير تناول الأسبرين للوقاية من الجلطات، وأظهرت الدراسة أن الأسبرين قد خفض من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية في تلك المجموعة، لكنه لم يقلل خطر الإصابة بجلطات القلب أو احتشاء عضلة القلب. والحق أن الأمر بقي بين مد و جزر، ما بين دراسات تؤيد استخدام الأسبرين في الوقاية من جلطات القلب والشرايين، ودراسات أخرى لا ترى فائدةً حقيقيةً لاستخدامه عند من لم يثبت لديهم تصلب الشرايين و تضيقها، خاصة مع وجود نسبة لا يمكن التغاضي عنها لحدوث مضاعفات للأسبرين، خاصة ما يتعلق بنزيف المعدة. لكن العديد من الجمعيات و المؤسسات الطبية العالمية بدأت في بداية القرن الحالي بتوجيه الأطباء إلى استخدام الأسبرين كعلاج وقائي في بعض الأمراض كالسكري و الضغط دون أن يثبت لديهم وجود انسدادات أو تصلبات شريانية، بينما أصرت جمعيات أخرى على أن لا فائدة ترجى من استخدام الأسبرين كوقاية فيمن لا يشكو من انسداد الشرايين.

وإذا كان الخلاف في لب الموضوع (أي في وجود فائدة للأسبرين الوقائي من عدمه) كبيراً، فإن الإختلاف في الجرعة الملائمة للوقاية، وهل تؤخذ بشكل يومي أم كل يومين، كان اختلافاً أشد وأعمق.

و أخيراً، تم حسم الموضوع علمياً في دراسات كبيرة صدرت في عام ٢٠١٨ م، أظهرت أنه لا يوجد دور حقيقي مثبت علمياً لاستخدام الأسبرين كعلاج وقائي ضد حدوث جلطات القلب و الشرايين في الأشخاص الذين لا يوجد عندهم أمراض شريانية، وأن أي تأثير إيجابي للأسبرين في الدراسات السابقة يقابله زيادةٌ في حدوث النزيف المعدي، مما يؤكد ضرورة تجنب استخدام الأسبرين كعلاج وقائي. لذلك فإن أحدث توصيات جمعية القلب الأمريكية الصادرة في ٢٠١٩م تضمنت النقاط الرئيسية المهمة التالية:

لا ينبغي إعطاء جرعة منخفضة من الأسبرين على أساس روتيني للوقاية الأولية من أمراض القلب بين البالغين الذين تزيد أعمارهم عن ٧٠ سنة

لا ينبغي إعطاء جرعة منخفضة من الأسبرين للوقاية الأولية بين البالغين في أي عمر والذين هم في

خطر متزايد للنزيف.

يمكن النظر في جرعة منخفضة من الأسبرين للوقاية الأولية من أمراض القلب في بعض البالغين الذين

يحملون نسبة خطورة عالية لإمكانية حدوث جلطات القلب و الشرايين، بشرط أن لا توجد لديهم من الأمراض ما يزيد من خطر زيادة النزيف.

هذه هي أحدث التوصيات المتعلقة باستخدام الأسبرين للوقاية من أمراض القلب والشرايين قبل حدوثها، مع ضرورة الإنتباه أن هذا التغير في التوجيهات المتعلقة بالأسبرين ينحصر فقط في دوره كعلاج وقائي ضد حدوث الجلطات، أما أدواره المهمة في المرضى الذين أصيبوا بالفعل بأمراض الشرايين والجلطات فلا زالت كما هي وبنفس الثبات.

وأخيراً، فكأنَّ لسانَ حال الأسبرين في هذه الأيام كما يقول الشاعر:

إنَّ للدهر صولةً فاحذرَنْها لا تبيتَنَّ قد أمنْتَ الدُّهورا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى