مقالات طبية متنوعة

الأقراص المنومة لعلاج الأرق

من الأسئلة الشائعة التي كثيراً ما يواجهها أخصائيو أمراض النوم هي تلك التي تتعلق  بفعالية وسلامة الأقراص المنومة التي يستخدمها البعض للتغلب على الأرق. ومن الواضح أن العديد من الأشخاص الذين يستخدمون هذه الأدوية يعيشون صراعًا داخليًا بين الرغبة في تحسين نومهم باستخدام هذه الأقراص وبين والخوف من الإدمان عليها أو التعرض لآثارها الجانبية. هذا التردد وعدم الارتياح في استخدام هذه العلاجات يخلق صعوبات ليس فقط للمريض ولكن أيضًا للطبيب الذي قد يصف هذه الحبوب أحيانًا كجزء من خطة علاج الأرق. إذن ، أين تقف أقراص النوم في الخطة العلاجية للأرق؟ متى تشكل ركناً أساسياً في العلاج ومتى يجدر تجنبُها؟ هل إدمان هذه الأقراص أمرٌ حتميُّ عند جميع من يستخدمها؟ أم أن حدوث الإدمان يعتمد على عوامل متعددة؟  إن الإجابة على هذه التساؤلات ليست أمراً سهلاً، لأن الأرق في حد ذاته ليس حالة مرضية واحدةً، بل هو طيفٌ من الحالات المرضية المختلفة التي تشترك في “قلة النوم” باعتبارها الشكوى الرئيسية.

ولإيضاح الدور الحقيقي للأقراص المنومة في علاج الأرق، دعونا أولاً نصنف الأَرَقَ بشكل عام إلى أرق حادٍّ وأرق مزمنٍ، اعتمادًا على المدة الزمنية التي يعاني فبها المريض من قلة النوم: فالأرق الحاد هو الذي تمتد شكوى قلة النوم فيه إلى ستة أسابيع أو أقل ، بينما إذا كانت الأعراض موجودة لأكثر من ستة أسابيع ، فإننا نسميها الأرق المزمن. هذا التصنيف مفيد سريريًا ، لأن أساليب العلاج تختلف في حالات الأرق الحاد عنها في حالات الأرق المزمن. على سبيل المثال، فإن هناك دلائل علمية على دور مهم و فعال للأقراص المنومة في حالات الأرق الحاد ، الذي يرتبط في الغالب بضغوط الحياة الحادة (فقدان الوظيفة أو تغييرها، وفاة شخص عزيز، الطلاق، انتقال السكنى من مكان لآخر أو الهجرة من دولة لأخرى)، وأثبتت دراسات عدة أنَّ استخدام هذه الأقراص في هذا النوع من الأرق يحسن من  الأعراض ويزيد من ساعات النوم، شريطة أن يتم ذلك تحت إشراف الطبيب المختص، وضرورة تقييد فترة الإستخدام بما لا يتجاوز الأربعة أسابيع ، لأن هذه المدة عادة ما تكون كافية لإعادة جدول و كفاءة النوم إلى طبيعته، وفي نفس الوقت فإن هذه المدة ليست طويلة بما يكفي لتعريض المريض لخطر الإدمان على الأقراص المنومة أوتعرضه لنوبة مرتدة من الأرق عند إيقاف الدواء. إذن، في حالات الأرق الحادة فإن استخدام الأقراص المنومة سيساعد المرضى على استئناف مدة و كفاءة النوم الطبيعية.

أما في حالة الأرق المزمن فالمنظور مختلف، إذ أن أساس العلاج في هذه الحالة يكمن في ضرورة السيطرة على القلق الناجم عن قلة النوم ، مع ضرورة الحد من البقاء في غرفة النوم عند الشعور بسيطرة الأرق وعدم القدرة على النوم. ومن هنا فلا يوجد دورٌ أساسيٌّ مقتصرٌ على الأقراص المنومة في علاج الأرق المزمن، بل لا بد من الإعتماد على وضع برنامج للنوم تراعى فيه ممرسات النوم الصحية، مع اللجوء لتقصيير مدة البقاء في غرفة النوم ( تُقْصَرُ على ست ساعات أو أقل) وتنبيه المريض لضرورة عدم البقاء مستيقظاً في غرفة النوم. وأحياناً، قد يلجأ الأطباء إلى وصف الأقراص المنومة لمرضى الأرق المزمن و لكن ذلك يتم كجزء من مخطط العلاج العام، و لأقل فترة ممكنة، وهذه منطقة تحتاج إلى خبرة وعلم الطبيب المختص بأمراض النوم. وللحقيقة نقول أن هناك عدداً من المزايا للأقراص المنومة تشجع الأطباء على استخدامها لفترة قصيرة عند علاج الأرق المزمن، ومنها: سرعة بدء تأثيرها على النوم، خاصة في الليالي الأولى من العلاج عندما تشتد الحاجة لإدخال المريض في حالة النوم مما يشكل له حافزاً إيجابياً و قناعة كبيرة بجدوى العلاج، خاصة إذا علمنا أن  السمة السائدة للمرضى الذين يعانون من الأرق المزمن هي ميلهم للمبالغة في الأعراض و الشكوى، مع التقليل من  قيمة التحسن الذي يرجونه من العلاج، لذلك فإن وصف هذه الأقراص لبعض مرضى الأرق المزمن الذين يأملون في حل سريع ولو لأول ليلة في العلاج قد يكون أمراً جيداً، لكن بشرط أن يكون جزءاً من خطة متكاملة و محكمة لعلاج الأرق. 

هل يمكننا استخدام هذه الأقراص المنومة لفترات طويلة؟ 

حسنًا… إن القاعدة العامة المتبعة أنه يجب تجنب علاج الأرق المزمن باستخدام الأقراص المنومة لمدة تزيد عن ۳-٤ أسابيع، ويبدو أن هناك عددًا من العوامل التي عززت هذه الممارسة السريرية ولعل أهمها هو الحذر من التسبب بالإدمان على هذه الأقراص، بحيث يعتاد المريض عليها فلا يستطيع الخلود للنوم دونها. وهذه قاعدة صحيحة إلا أنها لا تخلو من إمكانية تجاوزها في بعض حالات الأرق المزمن الصعبة، التي لا تستجيب للعلاج السلوكي إلا إذا صاحَبَهُ تناول أدوية للنوم. والحقيقة أن الممارس لطب أمراض النوم لا بد أن يصادف مثل تلك الحالات، وعندها تصبح مضاعفات الأرق أشد و أقسى من المضاعفات المحتملة للأقراص المنومة. أضف إلى ذلك أن  لدينا أدلة قوية على أن مخاطر التعود على الأقراص المنومة هي في الواقع قليلة الحدوث  نسبيًا، إذ لم تتم ملاحظة أية مشاكل تَعَوُّدٍ أو انسحاب ذات شأن خطير عند الذين عولجوا بالأقراص المنومة لفترة تصل إلى عام كامل، وبدا واضحاً أن معظم المرضى الذين يعانون من الأرق المزمن يلتزمون بتناول أدويتهم كعلاج طبي وليس لأجل الشعور بالنشوة الإدمانية، لذلك تراهم يلتزمون جيدًا بالجرعة الموصوفة لهم حتى بعد فترات طويلة من الاستخدام. لكل ما سبق، فقد ظهرت أساليب جديدة في علاج الأرق المزمن تُعتبر من المنطقي بدء العلاج باستخدام حبوب النوم، حتى في حالة ظهور الحاجة إلى العلاج لمدة عام. من الواضح أن هذا لا يقصد تقويض أهمية (وتفوق) العلاجات الأخرى للأرق المزمن ، بما في ذلك علاج تقييد ساعات النوم، والعلاج السلوكي المعرفي، و غيرها من أساليب العلاج الخاصة بالأرق المزمن.

إذن، فالأقراص المنومة قبل كل شيء و بعد كل شيء هي أدوية ذات خصائص معينة، يَلْزَمُ استخدامُها في حالات الأرق الحاد، وبعض حالات الأرق المزمن كجزء من خطة علاجية متكاملة. و لكن ينبغي أن يتم وصف هذه العلاجات و تحديد جرعتها و مدة استخدامها عن طريق الطبيب المختص، كي يضمن المريض أقصى درجات الإستفادة وبأقل نسبة ممكنة من المضاعفات والمخاطر.

ولكن يجب تجنب استخدام الأقراص المنومة لعلاج الأرق قدر الإمكان في الحالات التالية:

– الأرق أثناء الحمل

– إدمان الكحول و المخدرات

– أمراض قصور الكبد والكلى المزمنة

– وجود مرض الإختناق الإنسدادي أثناء النوم دون علاج

– الأشخاص الذين يتطلب عملهم اتخاذ قرارات مهمة أثناء الليل – لا ينبغي أن يتناول 

  الأشخاص الذين قد يُطلب منهم اتخاذ قرارات مهمة أثناء الليل (مثل الأطباء المناوبين) 

– كبار السن، خاصة ممن تجاوزوا سن ٧٥ عاماً أو الذين يعانون من أمراض تتعلق بالتوازن  اثناء المشي

ماذا عن علاجات الأرق المتداولة في الصيدليات التي لا تحتاج لوصفة طبية؟ 

١– مضادات الهيستامين: لا ينصح بالإستخدام الروتيني لهذه الأدوية لعلاج الأرق، خاصة 

   الأرق المزمن. فلم تثبت فعاليتها في العلاج، إضافة لكونها تسبب آثاراً جانبيةً مثل قلة 

   اليقظة في صبيحة اليوم التالي، وجفاف الفم،  وعدم وضوح الرؤية، واحتباس البول، و ازدياد حدوث الإمساك ، وزيادة ضغط العين، خاصة عند كبار السن. 

٢- الأعشاب: كالبابونج و الفاليريان، وهذه لم يثبت لها أي دور علاجي حقيقي في علاج حالات الأرق المزمن.

۳– أقراص الميلاتونين: وهذه رغم شيوع استخدامها بين الناس إلا أنه لم يثبت لها أي دور 

   إيجابي في علاج الأرق، سوى في حالات الأرق المرتبط بتأخر الساعة البيولوجية، أو في 

   بعض حالات الأرق لكبار السن ممن قَلَّ إفراز الميلاتونين لديهم. عدا عن ذلك، فليس هناك 

   دليل علمي وثيق على نجاعة الميلاتونين في علاج الأرق.

هذا المقال عجالةٌ لموضوعٍ طويلٍ وٍشائك، غير أننا أردنا أن نقدم لكم اختصاراً غير مخلٍّ، مؤكدين أننا سنتابع تناول الموضوع في قادم الأيام بإذن الله…فتابعونا. 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى