الطب والمجتمعمقالات طبية متنوعة

الحجر الصحي المجتمعي

” كن جميلاً ترى الوجود جميلا”

لو أنك أجريْتَ استطلاعاً في هذه الأيام، هدفُهُ أنْ ترصدَ شعورَ الناس تجاه الحجر الصحي الذي تعيشه المجتمعات هذه الأيام نتيجة الكورونا المستجد، لوجدت أن الغالبية العظمى من البشر تبدي سخطاً واستياءاً من هذا الحجر، رغم تفهم الكثيرين للظروف التي دعت الحكومات لفرضه. ونحن هنا لا نناقش صحة هذا النهج الذي اتبعته الحكومات ولا ننتقده، إذ هو حدَثٌ قد نزَلَ بأمر الواقع سواءً كنت من مؤيديه أو من منتقديه…لكنّا هنا نريد أن نضع خارطة طريق للتعامل مع الحجر الصحي كي ندفع عنا سلبياتِه و نُعَظِّمَ فينا إيجابياتِه، لأننا – كما كتبنا في مقال سابق- نؤمن أنْ ليس هناك شرٌّ محضٌ في هذه الدنيا، وأنَّ اللهَ قد أودع فينا فطرةً سويةً قادرةً على التعامل والكسب في كل الظروف إنْ نحن أحسنّا استثمارَها على المستوى الشخصي و الجماعي.

يدرك الجميع أن فترة الحجر الصحي قد تسبب الشعور بالتوتر عند البعض، نتيجة تقييد الحركة وعدم القدرة على ممارسة النشاطات اليومية الروتينية، وقد يتعاظم التوترُ حتى يبلغ حدَّ القلق والإحباط و الإكتئاب عند البعض ممنْ اعتادت شخصيتُهم على نمطٍ يوميٍّ محددٍ لا تستطيع مغادرَتَه بأريحية..المهم هنا أنَّ هذه المشاعرَ السلبية ستأثر سلباً على صاحبها: جسدياً و نفسياً، مما يعمق الطاقةَ السلبيةَ المحيطةَ بالشخص. كل هذا الكم الهائل من السلبية الناتجة عن حرمان النفس من روتينها، مضافاً إليه التوجسُ من الإصابة بالمرض، وعدم اليقين في مستقبل العمل والدخل، كل ذلك سيجتمع على ذلك الشخص الذي يعيش في صحة وعافية، ولم يبلغه من أذى الكورونا سوى الجلوس في المنزل لحماية نفسه و أهله…أليس هذا هو تناقض النفس البشرية؟!!!

إذن، ما العمل؟ كيف نعمل على اجتذاب الطاقة الإيجابية حولنا؟ كيف نعكس واقعَ الحجر إلى منجمٍ غنيٍّ ببواعثِ الصحة والأمل وحسن الظن بالله ؟ إليك بعض الخطوات البسيطة التي ستكفل زوالَ التوتر عنك… وما يدريك…فلعلها أولُ فرصةٍ لك كي تكتشف ذاتك بذاتك..بعيداً عن ضجيج الحياة و جهد المنافسة والسعي اللامنتهي وراء شبح تقليد الآخرين.

أولاً: تذكر أنك تقضي وقت الحجر في بيتك، وبين عائلتك، في صحة وعافية…لسْتَ المصابَ بالكورونا، ولا أنت ممن تقطعتْ بهم سبُلُ العودةِ لبيوتهم، ولا أنت مختبيءٌ في ظروف حرب و قتل…أنت آمن و صحيح البدن و مع عائلتك و في بيتك….وتلكُمْ من أعظم النعم.

ثانياً: من قال لك أنَّ وقتَ الحجر هذا هو وقتٌ مهدورٌ بلا قيمة ! ألم تكن تشتهي أن يتاح لك وقتٌ لقراءة كتاب، أو ممارسة رياضة خفيفة، أو تجربة هواية كنت تحلم بها منذ الصغر…

هل تعلم أن ممارسة رياضة لمدة ١٥ دقيقة فقط في اليوم يمكن أن تزيد متوسط ​​العمر المتوقع بثلاث سنوات وتقلل من خطر الوفاة بنسبة ١٤٪ حسب دراسة حديثة أجريت في تايوان !.. حتى أكثر النصائح صرامةً في تحديد الوقت اللازم للرياضة لحماية القلب والجسم هو ١٥۰ دقيقة في الإسبوع من التمارين متوسطة الشدة: كالمشي بسرعة ٤ كم/ساعة..بمعنى أنك لو مشيت بهذه السرعة ” البطيئة” لمدة ٢۰ دقيقة يومياً أو ۳۰ دقيقة لخمسة أيام في الإسبوع، فإنك تكون قد بلغْتَ الزمنَ المنصوحَ به طبيّاً لحماية القلب والشرايين (الجمعية الأمريكية لأمراض القلب). وإليك الترجمة العملية لما نعنيه بحماية القلب و الجسم:

– انخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية وداء السكري من النوع الثاني

– انخفاض الإصابة بارتفاع ضغط الدم والخرف والزهايمر وأنواع عديدة من السرطان وبعض مضاعفات الحمل

-الحصول على نوم أفضل ، بما في ذلك تحسين الأرق وانقطاع النفس الانسدادي النومي

– تحسن وظائف الإدراك والذاكرة والانتباه وسرعة المعالجة

– تحسن صحة العظام ، مع  تحسن عملية التوازن أثناء المشي وانخفاض خطر الوقوع

– تحسن كبير في أعراض الإكتئاب والقلق

– تحسن نوعية الحياة والشعور بالرفاهية العامة

أما القراءة، فمن منّا ينكِرُ لها فضلاً، ونحن نعيش في نعمةِ سهولةِ الحصول على الكتاب أو المقال الذي نريد بكبسة على جهاز الكمبيوتر، وأدعوك أن تتعرف بنفسك على ملايين الكتب المنشورة على الشبكة العنكبوتية مجاناً وبكل اللغات و في كافة المواضيع (على سبيل المثال فإن موقع Z-Library يحوي ما لا يقل عن خمسة ملايين عنوان كتاب مجاناً). ,لقد أثبتت الدراسات العلمية أنّ القراءة تحقق فوائدَ جمة لصحة الجسد والعقل:  فهي أهم محفزٍ لمنع مرض الزهايمر والخرف، لأن إبقاء الدماغ نشطاً ومشاركًا يمنعه من فقدان الوظيفة، بل إن كل معلومة جديدة تحصل عليها عند قراءتك لكتاب أو مقال ستتركز على شكل ذاكرة جديدة، وهذه بدورها ستقوم بتشكيل نقاط تشابك مع مسارات عصبية جديدة وتعزز تلك المسارات الموجودة سابقاً ، مما يساعد في تثبيت الذاكرة بالإضافة إلى استقرار الحالة المزاجية. كل هذا فضلاً عن دور القراءة في اكتساب خبرات لغوية و تحليلية و أخلاقية جديدة….لذلك أرجوك أن تقرأ كل يوم، حتى ولو كان صفحة من النت أو مقال خفيف.

أما إذا كنت ممن يحبون الموسيقى ويأملون أن تتاح لك فرصة تعلم العزف على آلة ما، فما الذي يمنعك عنها في هذه الأوقات، فالوقت فيه متسعٌ، ومعظم الآلات يمكن الحصول على نوعية جيدة منها بسعر زهيد، أما التدريب فما أكثر المواقع على شبكة النت التي تقدم لك أسس العزف إما مجاناً أو بالقليل من الأجر…,إذا كنت حقاً ممن يرغبون بتحصين أجسامهم من المرض، فإني أبشرك أن الدراسات أثبتت دوراً إيجابياً لعزف الموسيقى في تحسين مناعة الجسم ضد الإلتهابات، و تحسين حاسة السمع، و تقويم توازن العضلات، وازدياد حدة التركيز و الذاكرة والقدرة على القيام بعدة وظائف في نفس الوقت…أليس هذا أمراً مثيراً؟

والآن، دعني أرشدك لما ينبغي عليك تجنبُهُ في فترة الحجر الصحي- طبعاً عدا عن تجنب الإختلاط بالآخرين فهذا أمر لا خلاف فيه- إذا أردنا أن تكون فترة الحجر مليئة بالإيجابية شحيحة بالسلبية:

– أولاً و قبل كل شيء لا تمضي الساعات وأنت تتابع أخبار الفيروس والمرض والحجر، إلا إذا كنت ممن انخرطوا بهذا الأمر بحكم مهنتك. أما غير ذلك، فلا تحرق أعصابك في ساعات تقضيها متسَمِّراً أمام نشرات الأخبار أو على الكمبيوتر باحثاً عن كل خبر للكورونا في أصقاع الأرض…

– ثانياً…لا تصدق كل ما تسمع ولا كل ما تقرأ…خاصة من المواقع الإخبارية العامة..أنا لا أدعوك لمقاطعتها، ولكن ليس كل ما تقرأه يمثل حقيقةً راسخةً إلا ربما في خَلَدِ مَنْ كتبها…على كلٍّ، إذا أثار خبرٌ ما فضولَكَ فَامْضِ وتحقَّقْ مِنْ صحته في مواقع أخرى، لأنَّ الخبرَ الحقيقيَّ لا يكون حكراً على موقع واحدٍ أو قناةٍ واحدةٍ.

– ثالثاً..لا تكثر من السكريات والنشويات أثناء فترة الحجر وبالقدر نفسه لا تمتنع عنها. هل سمعت بمصطلح ضبابية الدماغ؟ هل شعرت يوماً أنك تعاني من درجةٍ من النسيان أو صعوبة التفكير والتركيز والتواصل، أو ربما شعرت بانخفاض الطاقة في جسدك، أو بالتهيج والصداع والقلق والارتباك وقلة الدافع واليأس ومشاكل في النوم..رغم أنك تجري فحوصات دورية ولا يوجد لديك ما يبررهذا الشعور…إنْ كان هذا ما تشعر به فهذا ما يطلَقُ عليه “ضبابية الدماغ”..وقد دلت الدراسات أن التوازن في استهلاك النشويات ضروريٌّ جداً لمنع هذه الحالة، ونشرت دراسة في مجلة Lancet Public Health أنَّ الأشخاصَ الذين يتناولون كميات مرتفعة أومنخفضة من الكربوهيدرات لديهم متوسط ​​عمرٍ أقصر من أولئك الذين يتناولون كميات معتدلة من الكربوهيدرات.

– رابعاً…لا تصدقْ أبداً أن الحياةَ بحاضِرِها و مستقبلِها مرهونةٌ بأيدي أشخاصٍ أو هيئات أو دولٍ مهما عظمت قوتُها…صحيحٌ أنَّ الدُّهاة يخططون و يدرسون، هكذا كانوا منذ بداية الحياة وهكذا سيبقون..لكنهم سيظلون محدودي التأثير إذا ما استثمر الطيبون عقولَهم وقوتَهم وثرواتِهم…وتذكَّرْ دائماً: “إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ” . 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى