مقالات طبية متنوعة

المعادلة الصعبة و القرار الأصعب

متى يصبح الحجر خطراً أكبر من الكورونا ذاته؟

حسناً فعلَ صُنَاعُ القرار في معظم بلدان العالم حينما قَرَّروا تطبيقَ الحجرِ الصحيِّ على شعوبهم بغيةَ كبحِ جماح الكورونا المستجد. ورغم اختلاف درجات هذا الحَجْرِ من بلدٍ لآخَرَ و تباينِ الإلتزام بتطبيقه حتى بين الفئات المجتمعية في البلد الواحد، إلّا أنَّ النتائجَ الصحيةَ الإيجابيةَ للحَجْر لا يمكن إنكارُها أو الغضُّ من أهميتها، حتى مِنْ أكثِر دعاةِ اتِّباعِ مناعة القطيع تحمُّساً… هذه الإيجابيةُ في نتائج الحجر الصحي على نطاق المجتمع بأسره هي ما دفعت المسؤولين لإعادة تطبيقه – أو التشدد في تطبيقه- كلما لاح في الأفق سرابُ هجومٍ جديدٍ للفيروس أو ازديادٌ في عدد ضحاياه. 

ولكن…يبقى في النفس سؤالٌ يُلِحُّ في البحث عن إجابة..أين هي نقطةُ التوازن بين إيجابيات الحَجْر و سلبياته؟…بمعنى آخر: متى يصبحُ الحجرُ الصحيُّ المجتمعيُّ عبئاً على المنظومة الصحية للمجتمع؟ …الحَقُّ أنْ لا أحدَ يزعمُ القدرةَ على تحديدِ الإجابة القاطعة، وغايةُ ما في الأمر أنَّنا نحاول أنْ نفرزَ الحقائقَ والأراء عَلَّنَا نستشرف ما ستحمله الأيامُ.

ومن المناسب هنا الإقرارُ أننا لا نتكلم في هذا المقال عن الكُلَفِ الإقتصادية والمالية والسياسية لمنهج الحجر الصحي، إذ أنها لا تَخْفى على أحد، ثم إننا لسْنا من خبراء الإقتصاد و لا من دهاة السياسة، وحسبنا في هذا قول الشاعر:

 وقيمةُ المرءِ ماقد كان يحسِنُهُ              والجاهِلونَ لأهل العلمِ أعداءُ

غير أننا سنقاربُ الموضوعَ من زاوية الطب والصحة، إذْ هي ما نحسَبُنا نحسنُ التعبيرَ عنه، ثم إنها الهدفُ الرئيسُ الذي ألجأنا إلى سياسة الحجر والعزل. 

و نبدأ من مقال للكاتب الأمريكي داريل أوستن نشره موقع (QUARTZ) في ٥/٥/٢۰٢۰ حيث عبَّر عن قناعته أنَّ ” الوضع كثير التعقيد، والفشل في الإعتراف بالعديد من العوامل المعنية بقضية الكورونا والحجر الصحي والإنطواء الإقتصادي المرافق يضرُّنا جميعًا. في النهاية ،أولئك الذين يفضلون إبقاء الاقتصاد مغلقًا إلى أجل غير مسمى في محاولة لإبطاء انتشار فيروس الكورونا المستجد قد يُلْحِقون – عن غير قصد – المزيدَ من الضرر على المدى الطويل، على الرغم من جميع نواياهم النبيلة.”

صحيفةُ نيويورك تايمز نقلتْ عن عارف حسين، كبيرِ الاقتصاديين في برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، قولَه أنَّ الوباءَ الجديدَ  سيدفع ١۳۰مليون شخصٍ إلى جحيم الجوع هذا العام، ليضافوا إلى ال١۳٥ مليون شخص الذين يواجهون بالفعل نقصاً حاداَّ في الغذاء قبل انتشار الوباء، مما يوصِلُ الرقمَ الإجماليَّ إلى نحو ٢٦٥مليون شخص سيُدْفَعون إلى حافة المجاعة بحلول نهاية العام. والأدهى والأَمَرُّ من ذلك أنَّ تدهورَ الإقتصاد العالمي قد يؤدي إلى قطع التمويل عن المنظمات الإنسانية الرئيسية الداعمة لبرنامج الأغذية العالمي، مما قد يؤدي – وفقًا لديفيد بيسلي المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي –  إلى وفاة ۳۰۰٫۰۰۰ شخص يوميًا إذا حدث ذلك. وذكر موقع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة مجموعةً من العوامل المتلاحقة التي تؤدي إلى انتشار الجوع: مِنْ تَعَطُّلِ سلاسلِ التوريدِ في السوق الزراعية، وعدم تَمكُّنِ العديد من المزارعين من زراعة أو بيع محاصيلهم، إلى نقص العمالة الزراعية، ثم تعطيل تدفق المواد الغذائية نتيجة الإغلاقات وانخفاض القدرة على الوصول إلى الغذاء، ثم تدهور القوة الشرائية للأُسَرِ…كل ذلك سيجعلُ توفرَ الغذاءِ الأساسيِّ أمراً صعباً ومُكْلفاً، و بالتالي يقع الناسُ فريسةً للجوع. لذلك تحذر المنظمةُ من إهمال سبلِ العيش أو جوانب الأمن الغذائي عند التعامل مع الخطط الصحية اللازمة للسيطرة على الجائحة. 

من جهة أخرى، نشرت مجلة لانست الشهيرة (THE LANCET – Psychiatry) في عددها الصادر في ١/٥/٢۰٢۰ تقريراً عن ارتباط وباء الكورونا والبطالة الناتجة عنه بازدياد معدلات الإنتحار، وتوصل التقريرُ إلى أن عدد الأشخاص الذين سيعانون من مشاكل نفسية سيزداد في سياق جائحة الكورونا المستجد، مما سيضع عبئاً إضافيّاً على نظام الصحة النفسية، و أنَّ على المجتمع الطبي وواضعي السياسات الصحية  لدينا الاستعداد لهذا التحدي من الآن. كما يجب على مقدّمي خدمات الصحة النفسية أيضًا رفعُ مستوى الوعي في السياسة والمجتمع بأنَّ ارتفاعَ البطالةِ مرتبطٌ بزيادة عدد حالات الانتحار، وأنَّ تقليصَ الاقتصاد وحصرَ تركيزِ النظام الطبي على جائحة الكورونا سيقودان إلى مشاكل نفسية عميقة على المدى الطويل. ويدعم هذا الإستنتاج ما توصلت إليه دراسةٌ نشرتْ في TIMEمنأنَّ الإغلاقَالإلزامي سيكون سلبياً  بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من العنف المنزلي، لأنه سيؤدي لِحصرِهِم في منازلهم مع المسيئين لهم،  الذين سيجدون فرصة تاريخية لممارسة العنف على ضحاياهم. أضف إلى ذلك أنَّ انشغالَ المستشفيات و الكوادر الطبية بتقديم العلاج لمرضى الجائحة سيجعل من الصعوبة بمكان على ضحايا العنف المنزلي أنْ يجدوا من يُقَدِمُّ لهم النصيحةَ والحمايةَ.

ثَمةَ معضلةٌ أخرى يُخْشى من تفشيها خلال الحجر الصحي، وهي ازديادُ معدلاتِ إدمان المخدرات و الكحول، متلازمةً مع تقليلِ الخدمات العلاجية للإدمان نتيجةَ تحويلِ الميزانيات الطبية باتجاه السيطرة على الجائحة، ونتيجةً لتأثير التقلص الإقتصادي الناتج عن الحجر. وللأسف، فقد ازدادت ظاهرةُ إدمان المخدرات في مجتمعاتنا التي كانت – حتى سنين قليلة خلت – من أقلِّ المجتمعات إصابةً بهذا الداء.

  و أخيراً، و لَعَّلَهُ الأخطرُ على الإطلاق، فإنَّ هناك توجساً حقيقياً من تعطُّلِ سلسلة الإمداد بالأدوية الحيوية التي يمكن أن تعرض حياةَ عددٍ لا يحصى من مرضى الأمراض المزمنة للخطر، أضفْ إلى ذلك فإن عدداً كبيراً من الدراسات والأبحاث العلمية قد تَعَطَّلَ أوتَمَّ تأجيلُهُ إمَا حرصاً على المشاركين من الإصابة بالعدوى أو نتيجة صعوبة وصولهم لمراكز البحث بسبب الحجر العام.

مما سبق يتضحُ أنَّ قرارَ الإستمرارفي سياسةِ حجرٍ صحيٍّ طويلٍ ليس بالأمر الهيِّن، تماماً كما هو قرارُ التخليِّ عن هذه السياسة…إنَّهُ كما يقول الشاعر:

دواء انت في قلبي وداء   كلا الأمرين في ظني سواء

كِلا الأمرين يحملُ سماً و ترياقاً…وغاية ما نأملُه أنْ يُوَفِّقَ اللهُ القائمين على السياسات الصحية لتمييز كأسِ الترياقِ من كأس السُّمِ على أسسٍ علميةٍ رصينة، نحققُ من خلالها السيطرةَ على الجائحةِ دون أنْ يكونَ الثمنُ أقسي والعُقْبىَ أَشَدَّ من الجائحة ذاتها. 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى