مقالات طبية متنوعة

تاريخ التبغ والسجائر

سنستعرض معكم في هذا المقال أهم التواريخ والأحداث المرتبطة بجائحة التدخين، وكيف تسلل التبغُ إلى حياة البشرية، حتى قامت عليه إمبراطوريات مالية و صناعية، واستغرقت أبحاثُهُ ملايين الساعات من جهد العلماء، في حين استنفذت سمومُهُ من حياة الإنسان وعطائه و أمواله ما لا يحصيه إلا الله.

لا يمكن الإشارة إلى تاريخ قديم بالتحديد على أنه تاريخ اكتشاف البشر للتبغ، لكن الجميع متفقون أنَّ أوثقَ الحضارات استخداماً للتبغ و التدخين هي الحضارات القديمة  للهنود الحمر أصحاب الأرض الأصليين في القارات الأمريكية قبل وصول الأوروبيين إليها. بعض المصادر أشارت إلى وجود أدلة على وجود التبغ عند قبائل قديمة جداً عاشت حوالي ١٦۰۰۰ عاماً قبل الميلاد ، بينما يبدو أنَّ سكان بيرو والإكوادوركانوا يزرعونه بين ۳۰۰۰ و ٥٠٠٠ سنة قبل الميلاد, ولكن لا يوجد ما يدل أن التبغ شكل حينئذ شكلاً من أشكال الثقافة. 

 في الحقيقة، فإن قبائل الهنود الحمر في مرحلة ما قبل اكتشاف الأمريكييتين كانوا أول من منح ورقة التبغ دوراً ممجداً في ثقافتهم، و يشير المؤرخ فرانسيس روبيشيك في تعريفه للتبغ على أنه: “نوع من النباتات ذات خصائص تضع المستخدم لها في

قبائل الهنود الحمر

حالة غير عادية ، و طالما  كان مواطنو العالم الجديد (يقصد قبائل الهنود الحمر) يعتبرون هذه النبتة ذات قدرات خارقة وخصائص فوق الطبيعة “. لقد مثل  تدخين التبغ عند تلك الحضارات علاجاً مضاداً لدخول الأرواح الشريرة التي تسبب المرض والضعف إلى جسم الإنسان، في مجتمعات كانت تنسب المرض للشياطين، وكان كاهن القبيلة هو الطبيب المداوي من الأسقام الروحية و الجسدية على حد سواء. والواضح أنه حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي لم يكن التبغ معروفاً  في العالم كله سوى في مواقع حضارات الهنود الحمر في القارتين الأمريكيتين. 

كريستوفر كولومبوس

 في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، و تحديداً في عام ۱٤٩٢م، بدأ كريستوفر كولومبوس سلسلة رحلاته عبر المحيط الأطلسي، وأسفرت عن اكتشافه للقارات الأمريكية التي أطلق عليها اسم ” العالم الجديد”. من هنا، بدأ التاريخ الحقيقي لانتشار ثقافة التبغ والتدخين على مستوى العالم، ففي ٦ نوفمبر ١٤٩٢ كتب كريستوفر كولومبوس في مذكراته: “التقى بعض  رجالي الكثيرَ من الناس في الأرض الجديدة وهم يعبرون الطريق للوصول إلى قراهم، رجالاً ونساءً، حاملين في أيديهم أعشاب محترقة تنتج عند حرقها دخاناً.” والواضح أن قبائل الهنود الحمر كانت خبيرة بتدخين التبغ: فمنهم من يدخنها استنشاقاً كما هو شائع هذه الأيام،  و بعضهم كان يشتمها بالأنف ، و بعضهم كان يمضغها مضغاً. بالمحصلة، فإن كولومبوس ورجاله كانوا أول من تعرف على هذا النمط الثقافي المميز لقبائل الهنود الحمر، وقاموا بحمل نبتة التبغ في رحلة العودة إلى أوروبا. ومن هنا، بدأ تغلغل التدخين في حياة و حضارة الإنسان.  ومن الطريف ذكره أن هذه النبتة أطلق عليها اسم نيكوتيانا (Nicotiana) تيمناً باسم السفير الفرنسي في البرتغال في القرن السادس عشر جان نيكوت (Nicot) ، الذي كان مسؤولاً عن تقديم التبغ إلى ملكة فرنسا كاثرين دي ميديسي في عام ١٥٦٠.

كانت إسبانيا أول الدول الأوروبية تعرفاً على التبغ، ومنها انتشر إلى البرتغال و فرنسا و إيطاليا، ثم من هذه الدول إلى اليابان وآسيا، ثم الإمبراطورية العثمانية، ثم إلى كل أصقاع الأرض.  والحقيقة أن بريطانيا لم تكن من أولى الدول المغرومة بتدخين التبغ، وحتى بعد انتشاره فيها فإن النظرة المجتمعية للمدخنين كان تحمل نوعاً من التحقير الطبقي و العرقي، خاصة من حيث ارتباط أصل التدخين بالهنود الحمر”غير المتحضرين” من وجهة نظر البريطان.  ولذا فإن أول إشارة لتعريف السيجارة في قاموس أكسفورد الشهير وردت في نسخته عام۱٨٤۲ وعام ۱٨٤٣ حيث أشارت أنه الكلمة تشير إلى “تدخين التبغ في الخارج- بالأخص فرنسا و إيطاليا”. غير أن المملكة المتحدة لم تمكث طويلاً عصية على التبغ و تجارته، بحيث أصبح التدخين أمراً ليس بالنادر رؤيته في شوارع لندن، رغم الفوارق الطبقية و الإجتماعية التي صبغت نوعية التبغ و طريقة تدخينه بين طبقة الأغنياء و طبقات الفقراء و العمال.

أما في العالم الجديد: في الأمريكيتين حيث الأرض الخصبة و المساحة الشاسعة، و فرص الهجرة و العمل والتملك للمهاجرين البيض، فقد انتشرت زراعة التبغ و تجارته، و خصصت مساحات شاسعة له. بل لعل من الإنصاف القول أن التوسع الكبير في زراعة التبغ في العالم الجديد كان أحد أكبر الأسباب في ازدهار تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلنطي لتوفير اليد الزراعية اللازمة للتوسع في زراعة التبغ. ثم جاءت الحرب الأهلية الأمريكية فتسببت في انتشار كبير للتبغ و التدخين خاصة بين الجنود الشباب في الجيوش المتقابلة، وتذكر شهادات بعض الجنود أن شيوع التدخين في الجنود كان وراءَه ثلاثةُ أسباب رئيسية: ١- عدم وجود قيود عائلية،و ٢- وسيلة فعالة للتخلص من إرهاق الحياة العسكرية والحروب ، و ٣- أن الجميع فيمن حولهم كان يدخن التبغ.  و لتوضيح أهمية الدور الذي لعبه التبغ أثناء الحرب الأهلية الأمريكية يكفي أن نذكر أنه عشية الحرب كان التبغ هو المحصول النقدي الأساس الذي تنتجته جميع المستعمرات ، الشمالية والجنوبية في أمريكا، بل وبلغ حجم الصادرات أكثر من 100 أمريكا و بريطانيا. 

 وتمضي الأيام، ولا زال تدخين التبغ يتصدر أكثر العادات الإجتماعية انتشاراً، ورغم تطور أساليب الزراعة و تعدد النكهات و الماركات، إلا أن أكبر تطور في صناعة التبغ حدث عام ۱٨٨۱ على يد جيمس بونساك: الشاب الذي اخترع أول ألة للف التبغ آلياً بعد أن كان التبغ يلف يدويا بأيدي العمال. واستطاعت ألة بونساك الجديدة إنتاج ٢٠۰ سيجارة في الدقيقة الواحدة، وهو ما يمثل ستين ضعفاً لقدرة أمهر العمال على لف السجائر يدوياً. وتهافتت شركات التبغ، التي كانت تدرك أن السجائر هي مستقبل صناعتها ، على شراء آلات بوسناك. و ما هي إلا سنوات حتى تطورت هذه الآلات لتصبح قادرة عام ١٨٨١ على إنتاج  ١٢۰٫٠٠٠ سيجارة في عشر ساعات عمل يومياً . 

في بدايات القرن العشرين، بدأت بعض الأوساط الطبية و العلمية بملاحظة ارتباط تدخين التبغ بازدياد عدد حالات سرطان الرئة, ففي عام نشر ١٩٢١: د.موسى بارون من جامعة مينيسوتا بحثاً استنتج فيه أن هناك زيادة في حالات سرطان الرئة نتيجة زيادة تدخين التبغ. وفي عام ١٩٢٤ نشر الباحث و الكيميائي الإنجليزي : السير إرنست ل. كيناواي ورقة علمية هامة عن عنصر اكتشفه في التبغ و أسماه القطران، و أن هذه المادة تسبب السرطان. 

 وبقيت الأبحاث العلمية بين مد و جزر فيما يتعلق بارتباط التدخين بالأمراض، حتى جاء عام ١٩٢٤ ونشرت مجموعة من العلماء الألمان دراسةً حملَتْ أقوى تحليلٍ إحصائيٍّ يربط بين التدخين والسرطان بصورة تؤكد أن درجة السببية مؤكدة. ومنذ ذلك التاريخ بدأت في امريكا وفي العالم حركةٌ إجتماعيةٌ وعلميةٌ نشطةٌ للتوعية ضد مخاطر التدخين، وفي المقابل طبعاً كانت شركات التبغ و صناعة الدخان تنشط في محاولتها دحض الإتهامات الموجهة ضد التدخين، ثم في محاولاتها “تطوير” صناعتها و جعلها “أكثر أماناً”، كما حصل حين قامت بإضافة الفلاتر للسجائر ونشر الدعاية أن هذه الفلاتر تمنع المواد التي “قد” تسبب خطراً من الدخول إلى صدر المدخن. ولم تتخذ الحكومات موقفاً رسمياً ضد التدخين حتى منتصف القرن العشرين ، ففي عام ١٩٥٧ بدأت وزارة الصحة البريطانية ،و تحت إلحاح من الكلية الملكية للأطباء ، بتحذير الناس من مخاطر التبغ، وقامت بإرسال النشرات إلى المدارس والمكاتب الحكومية، وقامت بحظر الدعايات التلفزيونية عن التبغ سوى الساعات المتأخرة من الليل لمنع الأطفال من رؤيتها. و قامت الدنمارك وألمانيا الغربية بفرض قيود مماثلة.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تأخر التصريح الحكومي عن أضرار التدخين حتى عام ١٩٦٤ حين أعلن لوثر تيري ،وهو أرفع مسؤول طبي في الولايات المتحدة: “أن تدخين السجائر مرتبطٌ سببيًا بسرطان الرئة لدى الرجال، وأن حجم تأثير تدخين السجائر يفوق تأثير جميع العوامل الأخرى بكثير “. 

 ومن هنا، بدأ تاريخ جديد لعلاقة الإنسان بالتدخين، ليس من جهة محاولة الحد من الإنتشارفحسب، ولكن من حيث إماطة اللثام عن تشعب علاقة التبغ بالأمراض والنوازل. وللحديث بقية. 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى