الطب في علم النفس والفكرمقالات طبية متنوعة

تجربة سجن ستانفورد

د. ديمة بعباع

في بعض الأحيان ، تكون أفضل طريقة لتقييم سلوك الأشخاص وتوافقهم في بيئة معينة هي إنشاء نموذج مصغر لتلك البيئة ودراست سلوكهم فيها. هذا بالضبط ما حدث في جامعة ستانفورد عام 1971 ، عندما أرادت مجموعة بحثية التحقق في الآثار النفسية للنفوذ والسلطة بين السجناء وحراس السجون واُطلق عليها “تجربة سجن ستانفورد”.

اُجريت هذه الدراسة من قبل أخصائين في علم النفس بقيادة االبروفسور Philip Zimbardo و مُوّلت عن طريق مكتب البحوث البحرية الأمريكية. كان الهدف من هذه الدراسة التحقق من ردود أفعال الأشخاص عند وضعهم في بيئة مشابهة لطبيعة السجن. وقد طُرحت فكرة هذا البحث العلمي  ليجيب تساؤل Zimbardo؛ هل العنف الموجود في السجون الأمريكية ينتج من طبيعة السجناء و حراس السجون السادية أم أن بيئة السجون هي التي تُوّلد هذا العنف؟ كما قال Zimbardo في كتاب نشره بعد هذه الدراسة ” إذا وضعت أشخاص جيدين في مكان سيئ ،هل ينتصر الناس أم يفسدهم المكان ؟” 

 بدأت هذه التجربة بطرح إعلان في جريدة جامعة ستانفورد لمن يرغب من طلبة علم النفس في المشاركة التطوعية بهذه الدراسة، حيث سيتم دفع 15$ للمشارك في اليوم الواحد؛ أي ما يعادل 100$ في يومنا هذا وأن التجربة ستستمر لمدة 14 يوم. بعد إستلام 70 طلب مشاركة و بعد إخضاع الطلبة لإختبار الشخصية وقع الإختيار على 24 طالب. تم فصلهم بشكل عشوائي الى 10 سجناء و 11 سجّان و 2 في دور الاحتياط، و جُهز طابق التسوية في مبنى كلية علم النفس ليكون المكان المخصص (السجن) للقيام بالتجربة.لدمج الطلاب بالدور اكثر تم تمثيل إلقاء القبض على السجناء من منازلهم من قبل الشرطة و تكبيل أيديهم و أخذهم الى المركز الأمني للمنطقة حيث تم أخذ بصماتهم و صورهم و تم نقلهم الى السجن الافتراضي معصوبين العينين. 

لم يضع Zimbardo قواعد أو قوانين للسجن بل سمح لحراس السجن بوضع القوانين بأنفسهم، و لكن لم يسمح Zimbardo بضرب السجناء في أي من الأحوال و بدأت اللعبة….

 تم إعطاء كل سجين لباس موحد و رقم، حيث يتم تعريف السجين برقمه و ليس بإسمه. أما حراس السجن فقاموا بإرتداء لباس يشبه لباس السجانين الحقيقيين مع وضع نظارات شمسية ليمنعوا التواصل البصري مع السجناء. منذ اليوم الأول بدأ السجانون بممارسة أفعال لفرض السيطرة على السجناء كإيقاظهم في الليل بإستخدام صافرات دون سبب و إجبارهم على القيام بحركات رياضية و في بعض الأوقات  يجبروهم على النداء على أرقامهم كوسيلة لإقناعهم بأنهم معرفون بالأرقام لا الأسماء. من الجدير بالذكر بأن Zimbardo لم يقتصر عمله فقط كمشرف على البحث و لكن كان يحل في منصب مدير السجن في هذة اللعبة حيث كان يجتمع مع السجانين و يحثهم على نشر الخوف و السلطة في السجن.

 لم يتحمل السجناء هذه الأفعال من الحراس و سرعان ما أعلنوا العصيان و قاموا بنزع أرقامهم وإغلاق أبواب زنزاناتهم بالأسرّة. و من بعد ذلك يجدر القول بأن السيطرة على مجريات الدراسة قد فقدت. فزاد طغيان الحراس وبدأوا بإهانة المساجين حيث أخرجوا الأسرّة من زنزاناتهم وأجبروهم على النوم على الأرض ،منعوا عنهم الطعام، إستخدموا مطفأة الحريق لإبعادهم عن بوابات الزنزانات. لم يسمحوا لهم باستخدام الحمامات وأجبروهم على التبول في زنزاناتهم، أجبروا السجناء الخارجين عن السيطرة على خلع ملابسهم حتى بلغ الأمر الى استخدام السجن الانفرادي للبعض كنوع من التأديب.

 تعرض بعض السجناء لإنهيارعصبي بسبب الضغط النفسي وبعد مرور أيام على الدراسة تم إخراج 5 سجناء خوفاً على سلامتهم النفسية. اُنهيت الدراسة بعد مرور قرابة اُسبوع من قبل زميلة الدكتور Zimbardo التي قدمت لمساعدته في اليوم السادس ولكنها وجدت أن الدراسة أخذت منحى سيئ وفُقدت السيطرة. 

بعد إستجواب المشاركين كانت وجهة نظر حراس السجن إن الأفعال التي قاموا بها هي من أجل إنجاح الدراسة لا أكثر و لو وُجد تمادٍ بالقوانين و القرارات فلماذا لم يقم مشرف الدراسة/مدير السجن بتحذيرهم أو منعهم، فهو المسؤول في النهاية. أما عن وجهت نظر Zimbardo فصرح بإنه فقد معايرالإشراف البحثي ولم يستطع إيقاف ما حصل و أنه في ذلك الوقت أصبح مدير السجن فقط و لم يعد يفكر بمنطق مشرف الدراسة. وحاول أن يثبت بأن طبيعة المكان و ظروفه هم من يساهموا في إظهار الأشخاص بطبيعة وحشية أو سادية. و لكن بعض الناقدين قالوا أن طبيعة دراسة Zimbardo ساعدت في جلب أشخاص ذو طبيعة قاسية وعدوانية، بل وأشاروا أن Zimbardo كان مشاركا في العنف وكان يحرض الحراس على إتباع أساليب مهينة مع السجناء. 

عند محاولة إعادت مثل هذه التجربة عام2001 من قبل باحثون أخرون، لم يشارك مشرفو الدراسة  بالتجربة بل بقوا على حياد، ولم تكن نتائجها كسابقتها. 

فما تفسير ما حصل في سجن  Stanfordالإفتراضي و هل من الممكن أن تكون هذه التجربة أقرب الى الحال في بعض السجون الحقيقية و ما نسمع عنه من تعنيف و ضرب و اذلال يحدث داخلها؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى