مقالات طبية متنوعة

لماذا تزدادُ نِسبَةُ الرَّبْوِ والتَّحَسُّسِ في العالم؟

كَثُرَ التَّساؤُلُ بين الناس في السنوات الأخيرة عن سببِ الزيادة الملحوظة في تشخيصِ الأطباء لحالات الرَّبْوِ وتَحسُّس القصبات و التحسُّس الأَنْفي. ما الذي يحصل في عالم الحساسية؟ هل أصبحَ الأطباءُ أكثرَ مهارةً من ذي قبْل في تشخيص الربو؟ هل تحسنت القدرةُ التشخيصيةُ للمختبرات؟ أو ربما هي عوامل التلوث والتدخين التي أدت إلى استثارة الحساسية؟ هل للبيئة و العوامل المناخية دورٌ؟ أم أن الناس أصبحوا أكثر وعياً بحقائق التحسس وأعراضه بحيث أصبحوا يتوجهون للطبيب كما طال عندهم أمدُ السعال أو اشتدت وطأةُ الزكام؟ …ما الحكاية؟!!. 

لقد لاحظ الأطباءُ في السنوات العشرين الماضية زيادةً مضطردةً في حالات الرَّبْو والتحسس القصبي و تحسس الأنف، وأثار فضولَهم عددٌ من الملاحظات المتعلقة في هذا الموضوع. فمثلاً: كانت معدلاتُ الزيادة في حالات التحسس أكبرَ في الدول المتقدمة منها في الدول النامية، و جاء تفسيرهذا الفرق من خلال نظرية النظافة والصحة (The Hygiene Theory)  ومفادها أنه كلما ارتفعت مقاييسُ النظافة المجتمعية زادت معدلاتُ الإصابة بالتحسس والربو. و يحصل هذا نتيجةً تعرضِ الأطفال في الدول النامية  للميكروبات و بالتالي  تطوير خلايا تنظيمية تساعد على الحد من الحساسية، بينما تقل فرص التعرض للميكروبات في أطفال المجتمعات المتقدمة نتيجةَ زيادة مستويات الصحة والنظافة، مما يقلل من إنتاج الخلايا التي تقاوم التحسس. كذلك، يبدو ان هناك اختلافاً في البكتيريا التكافلية (التي يعتبر وجودُها مفيداً للجسم) بين المجتمعات المتقدمة و النامية، وهذا الإختلافُ يزيد نسبةً حدوث التحسس في المجتمعات المتقدمة بينما يقلل من نسبته في المجتمعات النامية. 

وثمَّةَ أمرٌ آخر، فقد اكتشفتْ علاقةٌ وثيقةٌ بين نقص فيتامين (د) و بين ازدياد نسبة التحسس. و عند دراسة جغرافيا مستويات الفيتامين، نجد نقصَ فيتامين (د) منتشراً خاصة في سكان المناطق الحضرية في البلدان المتقدمة، وهي نفس المناطق التي تزداد فيها نسبةُ أمراض الحساسية.

عاملٌ مهمٌّ إضافي أدى إلى ازدياد نسبة الحساسية والربو في السنين الأخيرة، ويتمثل في ازدياد معدلات السمنة في معظم المجتمعات، و واكتشاف دورٌ للسمنة في ازدياد التحسس. فكثيرة هي الدراسات التي تثبت ضلوعَ السمنة في تحفيز ميكانيكية التحسس، حيث تشير الدراسات الإستقصائية السكانية بالفعل إلى أنَّ الأشخاصَ المصابين بالرَّبْو يعانون من السمنة المفرطة أكثر من الأشخاص الذين لم يسبق لهم الإصابة بالربو، بينما أظهرت دراساتُ إنقاص الوزن باتباع نظام غذائي و سلوكي تحسنًا كبيرًا في شدة الربو عند العديد من مرضى االتحسس البدناء الذين نجحوا في إنقاص الوزن. من جهةٍ أخْرى، فقدْ بينت أبحاثٌ أُخرى دوراً لخلايا الدهن الزائد في إفراز مواد مهيجة للقصبات الهوائية. وعلينا أن نضع في الحسبان أنَّ السمنة تعدُّ أهمَّ العوامل المرتبطة بمرض انقطاع التنفس الإنسدادي أثناء النوم الذي يرتبط بدوره بازدياد الرَّبو. 

والآن يأتي دور أحد أكثر العوامل أهميةً والذي لعب رأس الحربة في انتشار الحساسية والربو في كل ربوع العالم، و نعني بالطبع الدوْرَ الذي يلعبه التلوثُ البيئي و التغيرُ المناخي الذي تعاني منه الأرض منذ ما يقرب من عشرين عاماً.. قَمَنْ منَّا لم يسمع بثقب الأوزون و بالإحتباس الحراري..ومن منا لم يلحظ ازديادَ الأعاصير وتغير الخارطة المطرية في كثير من مناطق العالم. لقد جلب التغيرُ المناخيُّ  كمياتٍ كبيرةً من الأمطار والثلوج. هذه الزيادةُ في الأمطار، مصحوبةً بازدياد مستوى ثاني أكسيد الكربون في الهواء إلى مستويات عالية و قياسية، أَدَّيا إلى كثافةٍ في تكاثر الأشجار والنباتات التي تصنع حبوبَ اللقاح، وإلى تنشيط نمو الفطريات واطلاق كميات كبيرة من البَوْغِ الفطري (Fungal Spores). و معروفٌ أنَّ حبوبَ اللقاح و بَوْغَ الفطريات تعد من أكثر مسببات و مهيجات الحساسية. خذ مثلاً: فقد تسبب ارتفاعُ درجات الحرارة في الولايات المتحدة بين عامي ١٩٩٥ و ۲٠۱١ في زيادة فترة موسم حبوب اللقاح من ١١- ۲٧  يوماً مقارنة بالمواسم السابقة.

و أخيراً، فإن ازدياد استهلاكِ المضادات الحيوية وخافضِ الحرارة الأشهر (الباراسيتامول) خاصةً في الأطفال، قد لعب دوراً في زيادة حدوث التحسس الذي نشهده الآن، وكان هذا أحدَ الأسباب التي دعتْ المجتمعَ الطبيَّ إلى العمل على ضبط الإستعمال غيرِالمبرَّرِ للمضادات الحيوية خصوصاً في أول سنتين من العمر.

لكلِّ ما سبق، نجِدُ أنَّ ازديادَ حالات الربو والحساسية التي نلحظها هذه الأيام لا تعزى إلى تحسن آلية التشخيص، ولا ارتفاع نسبةِ تمييزِ الأعراض عند الأطباء أو المرضى. إنها زيادةٌ حقيقيةٌ في حدوث التحسس أنتجتها عواملُ عدة، معظمُها جَرَّهُ على الإنسانِ فعْلُ يديْه….إنها حقّاً خيرُصورة للمثل العربي القديم: يَداكَ أَوْكَتا وفُوكَ نَفَخْ.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى