مقالات طبية متنوعة

ليس هناك شر محض

انتبه…ليس هناك شرُّ محضٌ

ويلات البشرية كمثال

د. لؤي الحسيني

استشاري الأمراض الصدرية والعناية الحثيثة والنوم

يقول الشيخ الرئيس ابن سينا أن الله سبحانه و تعالى لم يخلق مخلوقات شريرة شرًا مطلقًا، ولا عَالَماً يهيمن عليه الشر، بل إن هذا العالم مصممٌ بحيث يغلب خيرُه شرَّه، و أن الشرَّ -و إن كان غير مقصود و لا محمود لذاته- مقصودٌ لأجل السير العام للموجودات، و أن  تبريرَ وجودِ الشر هو تحفيزُ الموجودات على السعي نحو الكمال، فيصير كلُ سعيٍ نحو الكمالِ هو تخلصٌ من الشر. أما الفيلسوف أغسطينوس (۳٥٤-٤۳٠م) فقد كان يؤمن أنْ ليس ثمةَ شرٌّ محضٌ، وأنَّ في كل شيءٍ -بقدر ما يبدو شرّاً- مِسْحَةً من خير، و أن الأشياءَ و الأحداثَ تتدرج من الخير المطلق إلى خيرٍ عميمٍ لكنهفي ليس مطلقاً، إلى أقل خيريةً فَأَقَلَّ فَأَقَل، لكننا لن نَعْدَمَ بعضَ الخير-على نُدْرَتِهِ- في أكثر الأحداث شرّاً مهما خُيِّلَ لنا تمامُ شَرِّه.

والحقيقة أني لا أسوق هذه المقدمة لإثباتها أو ضَحْدِها, بقدر ما أردْتُ إسقاطَها على واقعِ البشرية الحالي تحت وطأة وباء الكورونا، والمعاناةِ العالميةِ التي سببها -وسيسببها- هذا الفيروس على مختلف الأنشطة والمعاملات البشرية: الصحية و الاقتصادية و التجارية و السياسية بل و حتى النفسية, سواء منها ما يتعلق بالدول والحكومات, أو بالأفراد و المجتمعات.

ولكنْ، لماذا نفترضُ أن هذا الوباءَ على بطشه و قسوته هو شرٌّ محض؟ هل كانت ويلاتُ التاريخ و أوبئةُ القرون المنصرمة شرّاً خالصاً لم يَجْنِ الناسُ منه سوى الخسارة و الألم و المرارة؟ تعالوا نستعرض التاريخ، فلعلَّنا حقاً نجدُ بعضَ النورِ وقد انبعث من بين ثنايا المِحَنِ و ظلمتها.

  • كان تلوث الحليب بالسل أحد الدوافع الرئيسة لاكتشاف و تطوير تقنية البسترة.  فعلى سبيل المثال توفي حوالي ٦٥٠۰۰ شخص بسبب السل في الحليب ما بين عامي ١٩١٢ و ١٩۳٧  في إنجلترا وويلز وحدها، مما جعل البحث عن طريقة لتنقية الحليب أمراً في بالغ الأهمية إلى أن اكتشفت البسترة. 
  • مثل هدف السيطرة على السل أحد المحفزات الحقيقية لمحاولة استخلاص المضادات الحيوية القادرة على قتل الميكروب، إذ كانت نسبة الوفاة عند الإصابة بالسل في عصر ما قبل المضادات الحيوية يصل إلى ۲٥٪ من المصابين .
  • كانت موجات مرض السل أهم أسباب بناء مصحات متخصصة بالعزل و العلاج.
  • انتشرت فكرة جمع التبرعات الشعبية من أجل الأعمال الخيرية الطبية نتيجة دعم مسيرة الدايم (March of Dimes ) للدكتور جوناس سالك الذي طوّر لقاحاً للمرض في عام  1955 بعدما تعرض آلاف الأطفال للإصابة. قبل ذلك الوقت كانت التبرعات للأبحاث الطبية تأتي فقط من الجهات المانحة الغنية، لكن بفضل مسيرة الدايمز انتشرت ثقافة التبرع للعمل الخيري الطبي حتى بالقليل من المال. 

تأثير الحرب الأهلية الأميركية على تحسن  الخدمة الطبية:

  • تم إنشاء نظام فرز المرضى حال وصولهم إلى وحدة الإسعاف حسب شدة الحالة و خطورتها، وهو النظام الذي لا يزال يستخدم حتى اليوم (موقع المتحف الوطني للحرب الأهلية).  تم تقسيم الجنود الجرحى إلى ثلاث مجموعات: الجرحى طفيفو الإصابة ، ولا تعتبر جروحهم مهددة للحياة، لذا فقد أمكن تأخير علاجهم لأن حالتهم تمكنهم من الإنتظار. ثم هناك الجرحى الذين لا أمل لهم بالنجاة لشدة الإصابة، حيث كانوايعطون المورفين للألم لجعلهم مرتاحين قدر الإمكان, ثم بعد معالجة جميع الحالات الأخرى،  قد يعود الجراحون لمحاولة معالجة أي منهم ممن لا زال على قيد الحياة. ثم هناك الفئة الأولى بالعلاج السريع و هي فئة الجرحى ذوي الحاجة إلى جراحة عاجلة إذ تم التعامل مع هذه الفئة كأولويةٍ لأنها من المرجح أن تستفيد من الرعاية الفورية. ( قارن بين هذا النظام و بين الإجراءات المتبعة حالياً في بعض مستشفيات المدن شديدة الإصابة بالكورونا, إذ-و نظراً لشح أجهزة التنفس- بدأ العمل على توفير هذه الأجهزة كأولويةٍ للمرضى الذين يرجى شفاؤهم، وحجبها عن المرضى متقدمي السن ممن لا فرصة حقيقية لهم, بينما يُرسَلُ أصحاب الإلتهاب الخفيف إلى المنزل تحت الحجر الذاتي). 
  • أنشأتْ الجيوش نظامًا منظمًا للغاية من حاملي نقالات مدرَّبين مخصصين لإجلاء الجرحى في أسرع وقت ممكن.و أقيمت فرق إسعاف مدربة, وتم دمج جميع وحدات الإسعاف التابعة للفرق العسكرية.
  • تم إنشاء نظام متدرج لمستويات الرعاية المقدمة للجرحى في ساحة المعركة. وكانت تشمل محطات ميدانية صغيرة (عادة ما تكون مباشرة في ساحة المعركة) ،ثم المستشفيات الميدانية (و تقع في مكان أكثر أمانًا خارج ساحة المعركة) ، إلى نظام المستشفيات العامة في معظم المدن الكبيرة. 
  • نظراً لزيادة أعداد المصابين, و عدم توفر  العدد الكافي من المضمدين و الممرضين الذكور، فقد  بُدِأ بتقبل فكرة وجود الممرضات لأول مرة خلال الحرب  بسبب الضرورة. وعلى الرغم من وجود قدر كبير من التحيز ضدهم في البداية، إلا أنه سرعان ما أدرك الجراحون أهميتهن في مساعدة المرضى. ومن هنا ولد التمريض كمهنة.
  • تحسنت التقنيات الجراحية،. وأصبح التخصص أكثر شيوعًا خلال الحرب: فقد تطورت تخصصات طب العظام والجراحة التجميلية وجراحة الأعصاب والأطراف الصناعية. تم استخدام التخدير العام على نطاق واسع. وأنشأتْ مستشفيات متخصصة لعلاج إصابات الوجه والفكين.
  • تحسنت التكنولوجيا الطبية والمعرفة العلمية, و حتى استراتيجيات الخدمة الطبية للجيوش: كإنشاء مواقع للعناية الطبية بالقرب من الحدث ، والإخلاء السريع للجرحى ، وتوفير الإمدادات الكافية من الأدوية والمعدات.

تأثير الحرب العالمية الأولى على تحسن  الخدمة الطبية:

  • رغم أن التصوير بالأشعة السينية كان قد اكتشف عام 1895 ، ألا أن استخدامه الحقيقي في الطب راج أثناء الحرب العالمية الأولى، خاصةً إثر قيام العالمة ماري كوري بتجهيز عدة مئات من المركبات بأجهزة الأشعة السينية ، مما أدى إلى إنشاء خدمة إسعاف إشعاعي حقيقية للجنود في الجبهة. و تقدر الدراسات أن هذه التكنولوجيا  قد ساعدت ما يقرب من مليون جريح. و بمن ثم بُدِأ بإنشاء أجهزة الأشعة السينية في المستشفيات.     
  • طور الجراح الفرنسي أليكسيس كاريل والكيميائي الإنجليزي هنري داكين مطهرًا يعتمد على الكلور لمحاولة التغلب على إلتهابات الجروح التي كانت تعصف بحياة الجنود المصابين، و قد كان هذا المعقم فعّالاً جدّاً في تطهير الجروح.
  • تطور علم المطاعيم وانتشار استخدامها خاصة مطعومي الكزاز و التيفوئيد، مما قلل نسبة انتشار العدوى في الجيوش المستخدمة للمطاعيم.
  • حصل تطور مذهل في تقنيات نقل الدم للجنود المصابين, خاصة عند اكتشاف أهمية إضافة مركب السيترات (Citrate  ) للدم المسحوب، مما مكَّن الأطباء من تخزين الدم المسحوب دون الخشية عليه من التلف. و كان أول بنك للدم قد أُنشيء لخدمة الجيوش على الجبهة الغربية.
  • تطورت صناعة الأدوية المستخدمة في التخدير, و صاحب هذا تطور في جراحة العظام و التجميل, و أجريت أول عملية تجميل باستخدام رقعٍ من الجلد لتغطية التشوهات في الوجه الناتجة عن إصابات الحرب.        
  • من الحقائق الغائبة عن الأذهان أن هذه الحرب كانت الأساس في تطوير العلاج الكيميائي لعلاج السرطان. إذ أن استخدام الجيوش لسلاح الغازات السامة أظهر أن المركبات الكيميائية المصنعة مخبرياً قادرةٌ على قتل الخلايا الطبيعية، مما شكَّل القاعدة العلمية التي قادت إلى إنتاج جزيئات يمكنها أن تقتل الخلايا السرطانية أكثر من الخلايا الطبيعية لصالح مرضى السرطان.

تأثير الحرب العالمية الثانية على تحسن  الخدمة الطبية:

  • استخدمت الأدوية المعجزة – مركبات السلفا والبنسلين – على نطاق واسع لمكافحة العدوى أثناء هذه الحرب و لأول مرة على نطاق واسع. 
  • ظهر تخصص الطب الوقائي، خاصةً نتيجة الحاجة الملحة للتخلص من عدوى الملاريا في المناطق الموبوءة من العالم. و نشطت المحاولات للسيطرة على البعوض الناقل للملاريا عن طريق نشر الزيت في مناطق التكاثر كذلك بدأ الأطباء باستخدام علاجات الملاريا بشكل وقائي للجنود العاملين في المناطق الموبوءة.
  • أنقذ التقدم في الجراحة عددًا لا يحصى من الأرواح. خاصةً مع انتشار تقنية الاستئصال الجراحي للأنسجة الميتة في الجراحة، مما خفف من خطر الإصابة بالعدوى و أدى إلى إنقاذ عددٍ لا يحصى من الأرواح.
  • أدرك الأطباء أهمية الراحة من القتال، و توفير مكان آمن للراحة ، والطعام المنتظم ، والبيئة النظيفة ، في تحسين الحالة النفسية لدى الجنود, خاصةً الذين عانوا من صدمات نفسية رهيبة خلال المعارك، مما مكَّن  ٨٥ إلى ٩٠ بالمائة من الجنود  المرضى من التعافي والعودة ثانية إلى أرض المعركة. أما المصابون بالصدمات النفسية الشديدة فقد تم نقلهم لتلقى العلاج النفسي في المستشفيات العسكرية.
  • تقدمٌ آخر مهمٌّ تمثل في استخدام الصفائح المعدنية لتثبيت الكسور و المساعدة في شفائها. لقد طورت الخدمات الطبية العسكرية الألمانية هذه التقنية الرائعة، ولم يكتشفها الحلفاء إلا صدفةً أثناء إجرائهم الأشعة السينية للأسرى الألمان. 

هذه الأمثلة ليست إلا غيضاً من فيضٍ، ظهرت فيها قدرة الإنسان على الإستفادة من الدروس  القاسية للويلات والمحن التي وجد نفسه يعيشها، سواء تلك التي جرّتها عليه يدُهُ، أو تلك التي طرقت بابهُ و دخلت بيته دون أن يدعوها للدخول.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى