مقالات طبية متنوعة

لسنا بدعًا من الإنسانية

د. لؤي الحسيني

استشاري الامراض الصدرية والعناية الحثيثة وامراض النوم

ابتُلِيْت البشريةُ منذ زهاءَ أربعةِ أَشهربِعَدّوٍ لَدود, اجتاح الأرضَ شرقَها و غربَها,  غيرَ مُفَرّقٍ بين عِرْقٍ و عِرْق, ولا مُحابٍ لِمِلًّةٍ دون مِلَّة, ولا لنفس دون نفس. وقد حسب الناسُ أنَّ جبروتَ هذا البلاءِ مما لا عَهْدَ للإنسانيةِ به,  حتى غَدَتْ أخبار الكورونا همَّ البشرِ و شُغْلَهم الشاغل, لا سيما وأن التطورَ الهائلَ في وسائل الإتصال والتواصل أكسبَ الناسَ قدرةَ الجِنِّ في تناقل الأخبار و تحصيلِ المعلومات, ثم إعادة تدويرها بين خلطائِهم, حتى غدا العالمُ وحدةً إخباريةً واحدةً فيما يتعلق بظواهرِ هذا المرضِ وحوادثِهِ , و أَحْسَبُ أن أكثرَ ما هال البشرَ في هذه الأيام هو رؤيةُ الفايروس و قد تفشى في أصقاع الأرض,ما حدا منظمةَ الصحةِ العالميةِ إلى إعلانِ هذا المرضِ وباءاً عالمياً (في 12/3/2020), مما ضاعفَ الهلعَ و زَرَعَ الجَزَعَ في الأنفسِ البشريةِ التي ما خَطَرَبِبالِها أن تحيى في زَمَنِ وباءٍ لا تقدِرُ عليه أدمغةُ العلماءِ وعقاقيرُ الكيمياء.

ولَكنَّ نظرةً سريعةً لصراعِ البشريةِ مع الأوبئة المُوَثَّقِ تاريخياً تكشفُ لنا خبايا عصورٍ وأسْرارَ دُهورٍ, كانت فيها البشريةُ طُعْماً للوباء في البداية, ثم ما لبثت أن قَهرتْ عدوَّها وردَّتُهُ خائباً, وحَرَمَتْهُ من تحقيق بُغْيًتِهِ في اجتثاثها, رغم فَداحةِ الثمنِ الذي دفعته الإنسانيةُ للحفاظ على بشريَّتِها و إنسانيتها بكل ما يحملهُ هذان اللفظان من اختلاف في المعنى و المضمون. ومن هنا أَقولُ أَنَّ جيلَ البشريةِ الحالي لن يكونَ بِدْعاً من أجيالِ الإنسانيةِ, بمعنى أنه لن يكونَ له استثناءٌ من هجمات الامراض عليه, ولا استثناءَ له من دفعِ كلفٍ باهظةٍ أحيانا لِكَسْرِ المرضِ, وهو بنفس القَدْرِ لا استثناءَ له من الفوزِ بمعركة البقاء و قهرِ الوباء, حتى يرثَ اللهُ الأرضَ و من عليها. 

 لا شك أن أولَ وباءٍ موثقٍ تارخياً هو وباءُ الطاعون الذي أصاب أثينا في 430-425 قبل الميلاد، حيث قَدَّرَ المؤرخون اليونانيون  الذين عايشوا الوباءَ أن ثلاثمائة ألف يوناني- بمعدل واحد من كل ثلاثة من سكَّان أثينا آنذاك- قَضَوا نَحبَهُم في هذا الوباء. وللأسف لم يستطع العلم الحديث تحديدَ نوعِ الفيروس أو البكتيريا المسببةِ لوباء أثينا لعدم وجودِ أحفورات متبقاة لوفيات ذاك المرض  نتيجةَ حرصِ اليونانيين آنذاك على حرق جثثِ الموتى.

 وفي الأعوام 165-180 بعد الميلاد, يُسَجِّلُ لنا التاريخُ حدوثَ وباءٍ عارمٍ في الإمبراطوريةِ الرومانيةِ, أدى إلى إزهاق حياةِ ما قُدِّرَ بخمسة ملايين نسمة أي ما يعادلُ ثلثَ سكان الإمبراطورية الرومانية آنذاك.  وبلغ الأمرُ من ِشدَّتِه ما جعل مُؤَرِّخاً مُتَعَمِّقاً في تاريخ الإمبراطورية الرومانية Barthold Georg Niebuhr (1776–1831) يستنتجُ أَن هذا الوباءَ شَكَّلَ ضربةً قاصمةً لظهرِروما, وأنه عَطَفَ بها عن الجادَّةِ في كثير من الأمورالإجتماعية والأدبية و الإقتصادية نتيجةَ ارتفاع الأسعارِو الإيجاراتِ و الأجورِ, و انخفاض نسبةِ الأيدي العاملةِ و نسبةِ دافعي الضرائب.

وفي العام 541 بعد الميلاد, اجتاح العالمَ القديمَ وباءٌ جارفٌ, سُجِّلَ ابتداءاً في دلتا مصر, لينتشرَ بعدها على شكلِ موجات, حتى شَملَ إنجلترا و إيرلندا شمالاً إلى صحراء إفريقيا جنوباً, ومن شبه الجزيره الألبيرية غرباً إلى بلادِ فارس – بل و بعضِ مناطقِ جنوب شرق آسيا- شرقاً. وتوردُ بعض الكتابات المؤرخة لتلك الفترة أن عدد الضحايا بلغ أحياناً العشرةَ آلافِ وفاةٍ في اليومِ الواحدِ, بينما قُدِّرَ عددُ ضحايا إِحْدآ هجمات هذا الوباء على القسطنطينية بحوالي ثلاثمائة ألفِ وفاة. 

ويذكر التَّأريخُ الطبيُّ لأمراضِ العصور الوسطى حدوثَ وباءٍ عامٍّ للطاعونِ في أوروبا القروسطية في الأعوامِ 1348 –   1351, ثُمَّ توالى حدوثِهِ بهجمات ماحقةٍ كلَّ عشرين عامٍ تَقْريباً, لتحصدَ أرواح ثُلثِ سكان أوروبا وقتئذ وما يقرب 45% من سكان إنجلترا. وتصِفُ المصادرُ التاريخيةُ أن الناسَ كانوا يتساقطون موتى في الطرقات العامة دون أن تَجِدَ أجسادُهُم مَنْ يَدفِنها, وحتى عندما تسنى دفنُ الجثثِ فقد دُفِنَتْ في حفرٍ عميقةٍ, طبقاتٍ بَعْضُها فوق بعض, دون أن تَحْظى حتى بصلاةِ الجنازةِ نتيجةَ مَوْتِ الكثيرِ من الرهبان بالمرض. أمّا الناجون الذين حاولوا الفرارَ بِأَجسادِهِم من المرض, فقد مَزَّقَتْهُم أهوالُ ما بعد الوباءِ: إذ تبعثرت العائلاتُ, وَيُتِّمَ الأطفالُ, و ضربت المجاعةُ بِأطنابِها في أنحاءِ أوروبا, وما إِنْ هَدَأَتْ الأُمورُ حتى عَصَفَت بالناجين مَوْجَةٍ أُخرى من الوباءِ, لِتُعيدَ كَرَّةَ المأساةِ مِن جديد.

وبالإنتقال إلى أقصى الشرق, نَجِدُ وَصْفاً تَأْريخِيّاً دقيقاً لاجتياحِ وباءِ الجدري أرضَ اليابان  بين الأعوام 735- 737 م , حيث قضى الوباءُ على ثلثِ سكانِ اليابانِ وقتئذٍ, بل وبَلَغَتْ نسبةُ الوَفِيات في بعضِ الأَماكِنِ 60% من السكان.  وخَلَّفَ هذا الوباءُ ثأثيراتٍ عميقةً في المجتمعِ اليابانيِ على الأصعدةِ السياسيةِ والزراعيةِ و الإقتصاديةِ.

أمّا في عُصورِ الدولةِ الإسلاميةِ, فَقَدْ ذَكَرَ ابنُ الأَثيرِ في كتابه ” الكامل في التاريخ” الطاعونً الذي أصابَ عمواسَ بالشامِ, فيقول: ” وأصابَ الناسَ من الموتِ ما لم يَرَوْا مِثْلَهُ قَط, وطِمعَ له العدُوُّ في المسلمين لِطولِ مُكْثِهِ, مَكَثَ شُهوراً, و كان عِدَّةُ من مات في طاعونِ عمواس خمسةً و عشرينَ ألفاً”. وماتَ في هذا الطاعونِ ثٌّلَّةٌ مِنْ أَجِلّاءِ الصحابةِ و فيهم أبو عبيدة بن الجراح و كان أميرَ الناسِ, و معاذُ بن جبل, و يزيدُ بن أبي سفيان, والحارثُ بن هشام, و سهيلُ بن عَمرو, و عُتْبةُ بن سهيل.

أمّا التاريخُ الإسلامي في العصورِ الوُسطى, فَقَدْ وَثَّقَ مُؤَرِّخو الفترةِ المملوكيةِ أَعْوامَ الوباءِ و أهوالَه, و نَجِدُ المُؤَرِّخَ ابنَ إياس في كتابِهِ الموسوعيِ ” بَدائِع الزُّهورِ في وَقائِعِ الدُّهور” يَصِفُ سنةَ ستٍ و ثلاثين و سبعمائة بِما نّصُّه: “و فيها وقعَ الفناءُ و الغلاءُ بِمِصْرَ, و مات من الناسِ ما لا يُحْصى عَدَدُهم, واستمر الطاعونُ عَمَّالاً مدةَ أربعةِ أَشهر”. ثم يَصِلُ ابنُ إياس إلى سنةِ تسعٍ و أربعين و سبعمائة (هجرية) فيقول: “وفي شهرِ رمضان تزايدَ أَمْرُ الطاعونِ بالدِيارِ المِصْرِية, وهَجَمَ هَجْمَةً واحدةً, وً عَظُمَ أَمْرُهُ جِدّاً, حتى صار يَخْرُجُ مِن القاهرةِ في كلِّ يومٍ نحوَ عشرين ألفِ جنازةٍ, وقد ضُبِطَ في مُدّةِ شهر شعبان ورمضان من مات في هذا الطاعون, فكان نَحْواً من تسعمائةِ ألفِ إنسان, من رجال و نساء, و كبار و صغار, و جوارٍ و عَبيد, ولم يُسْمَعْ بِمِثْلِ هذا الطاعونِ فيما تَقَدَّمَ مِن الطواعينِ المشهورةِ في صَدْرِ الإسلام”.

أمَّا  جَمالُ الدّينِ ابن تَغَّرى بردي المُؤَرِّخُ الفَذُّ فَقَدْ ضَمَّنَ ذِكْرَ الطاعونِ في كتابيهِ الشهيرين: ” النُّجومُ الزاهرةُ في ملوكِ مِصرَ و القاهرة” و ” حَوادِثُ الدُّهور” , حيث جاء فيهما عن وباءِ الطاعونِ ما يلي مُقْتَبَساً بِالنَّص: ” وفي سنة ثلاث و ثلاثين و ثمانمائة (هجرية) كان الطاعونُ العظيمُ الذي لَمْ يُدْرَكْ بِمِثْلِهِ  بِمِصْرَ و قُراها, بَلْ و بِغالبِ البِلادِ الشَّامِيَّةِ, وكان هذا الطاعونُ أَعْظَمَ الطّواعينِ و أَفْظَعَها”. ويستطردُ عندَ الحديثِ عَنْ سَنَةِ ثَمانٍ و أربعين وثمانمائة (هجرية): “وقد فشا الطاعونُ في أوائِلِ هذه السنةِ, وبَلَغَ من يَموتُ في كلِّ يَوْمٍ أكثرَ من ثلاثمائة نَفْس, ثم تزايدَ الطاعونُ في صَفَر حَتى بَلَغَ مَنْ يَموتُ في كلِّ يَوْمٍ أَكْثرَ مِنْ خمسمائة نَفْس. وفي آخر صَفَر تناقصََ الطاعونُ”. ثُمَّ يَصِلُ ابنُ تغرى لسنةِ ثلاثٍ و خمسين و ثمانمائة (هجرية) فيقول: “وفي صَفَر, عَظمَ الطاعونُ بالديار المصرية, فكان عدةُ مَنْ يَموتُ فيه زِيادةً على أَلْفِ نَفْس تقريباً” – وأحسبهُ قَصَدَ أَلْفَ نَفْسٍ في اليوم-.  “ثُم تناقَصَ الطاعونُ تناقصاً ظاهراً, و مع هذا النقص يَموتُ في كُلِّ يَوْمٍ خلائِقُ, نسأل اللهَ الموتَ على الإسلام”.

ولم يَكُنِ المَغْرِبُ الإسلاميُّ بِمَنأى عن قسوةِ الأوبئة, وإذا ما أَرَدْتَ مِثالاً فَلْتَنْظُرْ إلى ما كتبه مُؤَرخُ الغربِ الإسلاميِ أبو العباس أحمدُ بن عذارى (ت 712 هجرية) في نَفيسِهِ ” البيانُ المُغْرِبْ في اختصارِ أَخبارِ ملوكِ الأندلسِ و الَمْغِرب” و هو يصفُ وباءَ مَرَّاكش سنةَ إحدى و سبعين و خمس مئة (هجريه) فيقول: ” نزلَ الوباءُ بمدينةِ مرَاكش في أولِ شهرِ ذي القعدة, ولم يُعْهَدْ مِثْلُهُ فيما تقدَّمَ من الأزمنة قَبْلَه, وانتهى عددُ الأمواتِ في كلِّ يومٍ مئةً إلى مئة و تسعين شخصاً و أَكْثَرَ مِنْ ذلك, حتى إِن الناسَ لا يستطيعون حَمْلَهُمْ إلى الجامعِ للصلاةِ عليهم, فَأَمَرَ الخليفةُ أن يُصَلَّى عليهم في سائرِ المساجدِ رِفْقًاً بالناس في ذلك”. 

وبدراسةِ التاريخِ الحديثِ للأوبئةِ, حيث تَقَدَّمَ العِلْمُ و تَحَسَّنَ التوثيقُ, نَجِدُ الكثيرَ مما كُتِبَ عن أوبئةٍ جامحةٍ, ففي موسكو اجتاحَ الطاعونُ المدينةَ وضواحيها عام 1771م حتى أفْنى مَا قٌدِّرَبِمئة ألفِ إنسان مناصفةً بين المدينةِ و ضواحيهاز و حَسْبُكَ أن تَعْلَمَ أَنَّ مجموع سُكانِ المنطقةِ المصابةِ لم يتجاوَزْ الثلاثمائةِ ألفِ شخص.

ولم يقتصر الوباء فيما سبق من السنين على الطاعون, بل كانت الكوليرا أشدَّ الأوبئة بَطْشاً بالبشريةِ و أَعْظمَها مَحْقاً, فَبَيْنَ الأعوام 1817-1824 اجتاحت الكوليرا شِبْهَ الجزيرةِ الهنديةِ, وانتشرت بسرعةٍ حتى عَمّت الصينَ و جنوبَ شرقِ آسيا, ثم بلاد فارس فَبَغْداد حتى دمشق, وشمالاً حتى حدود مناطقِ الإمبراطوريةِ الروسيةِ القيصريةِ.

وعاوَدَ شيطانُ الكوليرا بَثَّ سمومِهِ في الإنسانية بين الأعوام 1827 – 1835م, فبدأ في الهند وانتشر كالنار في الهشيم حتى شمل كلَّ شِبْهِ الجزيرةِ الهنديةِ والبنغال, ثم أفغانستان وإيران فالعراق, ثم شِبْهِ الجزيرةِ العربيةِ فالحِجازِ, حتى ما سَلِمَتْ منه مكةُ و المدينةُ, ومن تلك المدن المقدسة تزامناً مع عودة الحجاج إلى فلسطين و سوريا, ثم مصر, ثم إلى السودان و أثيوبيا, والصومال و زنجبار. أما شمالاً فانَتَهَبَتْ الكوليرا البلادَ الروسيةَ حتى موسكو, ثُمَّ غَرْبًا إلى وارسو فمدينة سانت بطرسبيرغ,  ومنها اجتاحت أوروبا: برلين و فيينا وهامبورغ, ثم إنجلترا و فرنسا, ومنها عبَر المحيطِ الى مونتريال كندا ونيويورك,إلى أن وصل إلى أمريكا اللاتينية. ويكفي نظرةً سريعة إلى حجمِ ضحايا هذا الوباء لِنُدْرِكَ مدى قسوتِهِ و جبروتِهِ: ففي مِصر توفي ستةٌ و ثلاثون ألفَ شخصٍ في بضعة أشهرٍ ( وهو ما شَكَّلَ 15% من سكان مصر آنذاك), وفَقَدتْ مدينةُ باريس وَحْدَها في عام 1832 ثمانيةَ عشرَ ألفِ نَفْس, بينما بلغ عددُ ضحاياه في ربيع 1831 في مكة و المدينة ما بين ثمانية عشر ألف و ثلاثينَ ألفِ وفاة.

وكَأَنَّ شجرةَ الكوليرا الخبيثة ما ارْتَوَت من دماءِ ضحاياها, فَعاوَدَتْ الهجومَ على البشريةِ في شرقِ الأرضِ و غربِها في الأعوامِ بين 1839 – 1856م لِتَحْصُدَ المزيدَ من الضحايا, وففي موسم الحج عام 1846  توفي في مكة ما يَقْرُبُ من خمسة عشر ألف شخص, بينما قٌدِّرَتْ وفياتُ بلادِ تونس ما نِسْبَتُهُ 10% مِنَ السُّكان. ثم اشتدت الكوليرا بَأْساً واخْتَمَرَتْ شَرّاً ,فعادت بين 1863 إلى 1875م لِتَعُمَّ العالمَ 

بِأَسْرِهِ, فيموتَ خمسة عشر ألف حاجٍّ في مكة مَوْسِمَ الحَجِّ عام 1865م, بينما فَقَدَتْ مِصرُ في شهري حزيران و تموز من نفس العام ما يدمي القلبَ و يُدْمِعُ العَيْنَ: ستين ألف شخص في شهرين, ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وَبَقِيَتْ الأوبئةُ تُشكلُ التهديدَ الأعظمَ للبشريةِ , مِن وباء الجدري في عموم أوروبا 1870 – 1875م, فالكوليرا 1881 – 1896م, فوباء الإنفلونزا الأول 1889-1890م ,ثم معاودة الكوليرا 1899-1923م, هذا بالطبع عدا عما سَبَّبَهُ السُّلُ من عشراتِ آلافِ الوفيات, وضحايا حُمى التيفوئيد, و الحصبة والسفلس, إلى غير ذلك من الأوبئة ما عرفها الإنسان وما جَهِلَها.

و يأتي ربيعُ عام 1918 ,و آلة الحربِ تَطْحَنُ في الإنسانيةِ إِبّانَ الحرب الكونية الأولى, فَيَفْجَؤُها و يَفْجَعُها إبليسُ الطواعينِ في صورةِ جائحةِ الإنفلونزا. إذْ ما بينَ ربيعِ 1918 إلى أوائلِ أَشْهُرِ 1919 أَزْهَقَتْ الإنفلونزا أرواحَ خمسين مليونَ إنسان, بَلْ وَ رُبَّما قاربَ الرقمُ المئة مليون إذا ما أخذنا بعين الإعتبارضَعْفَ التَّوثيقِ للوفيات في معظمِ أَنحاءِ العالَم عدا الدولِ الغربيةِ المتقدمةِ و الولايات المتحدة. وَيَذْكُرُ التاريخُ أَنَّ ألمانيا كانتْ على وَشك شَنِّ هُجومٍ حاسمٍ في ربيع 1918 مُستغلةً هُدوء الجبهةِ الشرقيةِ ( إِثْرَ سُقوطِ القيصريةِ الرّوسيةِ) وعدم اكتمال التَّحْشيد الأميريكي في الجبهة الغربية بَعْدُ, غَيْرَ أَنَّ هذا الهجومَ فَشِلَ في تحقيقِ أَهْدافِهِ نتيجةَ تفشي الإنفلونزا وانتشارِ إِعْيائِها في نصفِ مليون جندي ألماني, مما كانَ له عظيم الأثرِ في نتائجِ الحَرْبِ. و الحقيقةُ أَنَّ الحربَ بذاتها كانت من أَجَلِّ أَسْبابِ انتشار الإنفلونزا, نَظَراً لضخامة الجيوشِ المتصارعةِ, واقترابِها مِن بعضِها البعض فيما عُرِفَ بحروب الخنادق المتقابلة, مما سَهَّلَ انتقالَ العدوى بين الجنود, واشتمالَها لكلِّ جغرافيا الأرض دونَما اعتبارٍ لِحُدودٍ أو ايديولوجيا أوعِرق.        
والآن, يدورُ في الخاطرِ سؤالٌ: لِمَ هذا الإستعراضُ لمعاركِ البَشَرِ مع الوباء؟  هل التاريخٌ حَقًّا المُعَلِّمُ الأَجَلُّ للإنسان؟ لماذا لمْ يُحْسَم الصراعُ بين الإنسانيةِ و الأوبئةِ بَعْدُ؟ ثُمَّ ما هي الدروسُ الواجبُ علينا استنطاقَها من فمِ التاريخِ في هذه الأيامِ  التي أصابَتْ الإنسانَ بما أصابَتْهُ على يدي فايروس كورونا المُسْتَجَد؟ أَقولُ لكم الحَقَّ – فيما أَجِدُهُ حَقاً وِفْقَ قناعتي- أَنَّ تلك الأحداثَ التاريخيةَ هي ما يَزْرَعُ الأملَ و يَعْقِدُ العَزْمَ في معركتِنا مع هذا الفايروس, صحيحٌ أَنْ لا مَناصَ للبَشَريةِ مِنْ دَفْعِ أَثْمان باهظةٍ لِتَنْتَصِرَ, لَكِنَّ مِيزانَ الغَلَبَةِ كان يَميلُ دَوْماً لِمصلحةِ البشَرِيَّةِ, وهذا هو في رأيي أسمى عناوينِ التكريمِ للجِنْسِ البَشَري مِصْداقاً لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ” ولقد كَرَّمْنا بني آدم”. ثُمَّ إِنَّ هذا الذي نراه اليومَ قد يكونُ الدَّرْسَ الأَبْلَغَ – وإن قسا- لِيَعودَ بَعْضُ الَبَشِرمِمَّنْ نَسَوْا بَشَرِيَّتَهُمْ وَعَمَوْا في غَيِهم إلى قُدْسِيَّةِ رُوحِ اللِه التي بَثَّها فيهم, وَيَنْفِضوا عَنْهُمْ لُؤْمَ الكِبْرِ وشَيْطَنَةَ الطَّبْعِ, وَ حينها تَعودُ النَّفْسُ البشريةُ إلى فِطْرَتِها مِنَ الخَيْرِيَّةِ والتعاونِ والِبناءِ والحُبِّ و الَعطاءِ,  و لعَلَّ هذه المعاني هي أَسْمى وأسْنى القِيَمِ الحقيقيةِ لِلنَفْسِ الإنسانيةِ كما أرادها اللهُ تعالى… إنَّها حقاًّ ” فطرةَ اللهِ التي فَطَرَ الناسَ عليها”.

اظهر المزيد

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى