مقالات طبية متنوعة

عدوى الكورونا وتلف الرئة الدائم

د. لؤي الحسيني
استشاري الأمراض الصدرية والعناية الحثيثة و أمراض النوم

مع تزايد عدد الأشخاص المصابين بفيروس COVID-19، اتضح أن نسبةً من المصابين يتعرضون لالتهابٍ شديدٍ في الرئة تستدعي الإستعانة بجهاز التنفس الاصطناعي لمدة تتراوح بين ۱٠- ۱٥  يومًا تقريبًا، و لحسن الحظ فإن ما يقرب من ثلثي هؤلاء المصابين بشدة تتحسن حالتهم و يتعافون في نهاية المطاف. بيد أن ثمة تساؤلٌ بدأ يلوح في الخاطرة، وهذا التساؤل ينبع من احتمال أن تتسبب عدوى COVID19 في تلفٍ دائمٍ لأنسجة الرئة، إذ قد تؤدي الإصابةُ الشديدةُ بالفيروس إلى ترك نُدَبٍ و آثارٍ في الرئتين تترك ضعفاً مزمناً في الجهاز التنفسي، مما قد يؤثر على التنفس، وقد يفضي إلى إضعاف قدرة الفرد على القيام بنشاطاته وواجباته اليومية.

للإجابة على هذا التساؤل، علينا أولاً أن نتفق على حقيقةِ أنَّ COVID19 هو مرضٌ جديدٌ، وسيستغرق شهورًا – أوسنوات – لتقييم النسبة الحقيقية لأمراض الرئة المزمنة في أولئك الذين ينجون من العدوى الشديدة. ومع ذلك، فإننا سنحاول تقديم أفضل المعلومات، استنادًا إلى تقارير البلدان التي تأثرت بشدة بـ COVID-19، واعتماداً على ما نعرفه مسبقاً عن النتائج المزمنة لإصابات الرئة المماثلة التي نتجت عن عدوى الفيروسات السابقة.

ونبدأ من هونغ كونغ، حيث أظهرت دراسةٌ صغيرةٌ  أجريت على ۱۲ مريضاً ممن خرجوا من المستشفى بعد تعافيهم من الإصابة الشديدة بالكورونا المستجد، أظهرت أن اثنين أو ثلاثة منهم قد فقدوا نسبةً من وظيفة الرئتين.وبالتأكيد فإن هذا لا يعني أنهم قد فقدوها للأبد, إذ قد تحتاج البقية المصابة من الرئة إلى وقت أطول للتعافي.

ونقل عن بعض خبراء العناية المركزة في المملكة المتحدة أن الأشخاص الذين يتعافون من الحالات الخطيرة لفيروس الكورونا المستجد قد يصابون بأضرار طويلة المدى في الرئة, وقد يستغرق الأمر ما يصل إلى ۱٥عامًا للشفاء. وسلطت اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في العالم الضوء على أن العديد ممن تم إدخالهم لقسم العناية المركزة نتيجة COVID-19 أصيبوا متلازمة الضائقة التنفسية الحادة        (ARDS) وهي حالة شديدة من قصور الجهاز التنفسي، وتحمل نسبة تقترب من ۲٠٪ لترك تأثير طويل المدى على الرئتين.

هل تؤدي الإصابة بالكورونا إلى تليف الرئة ؟؟

تبدأ الإجابة هنا بإعادة التركيز على الحقيقة المذكورة في أعلى المقال، حيث سيكون من الصعوبة بمكان التنبؤ بوضع الرئة التي تبقى مصابةً حتى بعد التحسن السريري على المدى البعيد, و لكن إصابةَ جزءٍ من الرئة بتلف دائم لا تعني الإصابة بمرض تليف الرئة سيء السمعة ، إذ أن التليف الذي قد ينتج عن إصابة  الكورونا العنيفة لا يبقى نشطاً بعد استقراره في الرئة، بينما لا يتوقف مرض التليف الرئوي السيء، بل يمضي في التأثير على بقية الأجزاء السليمة من الرئة (من المهم التذكير أن الأدوية الحديثة المتعلقة بداء التليف الرئوي أظهرت نتائج جيدة في القدرة على كبح جماح المرض و إبطاء انتشاره). 

و بالعودة إلى السؤال الأساسي,فإن دراسة التأثير طويل المدى للفيروسات السابقة التي  سببت أوبئة شبيهة بالكورونا المستجد قد تمكننا من الوصول إلى بعض النتائج و الاستنتاجات.

فقد قامت دراسة علمية بتقييم مضاعفات الجهاز التنفسي طويلة الأمد لدى الناجين من فيروس كورونا المسمى بفيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS-CoV)، حيث خضع ٧۳ شخصاً ممن أصيبوا بعدوى فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية خلال تفشي فيروس كورونا  في كوريا الجنوبية عام ٢٠۱٥ لاختبارات وظائف الرئة بعد عامٍ واحدٍ من الإصابة. و تبين أن الذين عانوا من التهاب شديد أظهروا انخفاضاً بسيطاً مقابل الذين كانت إصاباتهم خفيفة أو متوسطة. 

وقامت دراسةٌ أخرى  بتقييم أثرِ وباءِ السارس (SARS) الذي انتشر عام ٢٠٠۳ على بعض المرضى و على فترة طويلة امتدت إلىى خمسة عشر عاماً  أي حتى عام ۲٠۱٨، وقد قُيِّمَتْ وظائفُ الرئتين فيما قُيِّمَ من وظائف أخرى، و أظهرت أن نسبةً ضئيلةً من المرضى  استمر لديهم انخفاضُ وظائف الرئتين. و أعتقد أن هذا مؤشرٌ جيدٌ لما يمكن أن يكون عليه الوضع بالكورونا المستجد. 

في المحصلة، فإن الذين يصابون بالحالات الشديدة من الكورونا المستجد و الذين يكتب لهم النصر على المرض، هؤلاء قد يترك الإلتهاب عند نسبة قليلة منهم أثراً مزمناً على وظيفة الرئتين، لكن هذا الأثر يبقى ثمناً زهيداً جداً للنجاة من شراسة الفيروس (إذا قررأن يهاجم  بشراسة).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى