مقالات طبية متنوعة

هل تشكو من ضعف الذاكرة؟

لا تقلق، فقد يكون هذا مؤشراً على حدة ذكائك..

حياتُنا مختزلَةٌ في أزمنة ثلاثة: ماضٍ نعيشه في ذكرياتنا، وحاضرٍ يمضي سريعاً، ومستقبلٍ نحاول أن نرسمَه كما نحب وتَخُطُّه الأيامُ كما قُدِّرَ لنا…

وكلما مضت بنا الأيام، تزاحمت ذكرياتُنا كي تجد موطىءَ قدمٍ لها في الذاكرة، وتنافست فيما بينها على الرسوخ في الذهن، وكأنها تطبق فيما بينها قاعدةَ البقاء للأجدر…والحقيقة أن الإنسانَ يذهل من حجم المعلومات التي تَرِدُ دماغَه في كل يوم، حيث تقدر الدراساتُ العلميةُ أن الدماغَ يستقبل ما معدله أحد عشر مليون وحدة معلوماتية في الثانية (للتبسيط فإن كل حرف تقرأه يمثل وحدتين من الوحدات المعلوماتية أو Bit)…تخيل..في كل ثانيةٍ يَرِدُ إلى الدماغ أحد عشر مليون Bit، وعلى الدماغ أن يقوم باستقبالها، وتحليلها، وتقرير أهميتها، ثم طَرْحِ ما لا ينفع منها، وتمرير المهم منها إلى أقسام الدماغ المعنية، ومن أهمها قسم التخزين و الأرشفة…أي الذاكرة. والحقيقة أن الدماغ قادر على استيعاب هذا الفيضان من المعلومات بفضل احتوائه على مئة ألف مليون خلية عصبية، كل منها يرتبط بآلاف الخلايا الأخرى، ليكونوا جميعاً شبكة اتصالات لا يَقْدِرُ حتى الدماغُ نفسُهُ على استيعاب حقيقتها و حجمها… 


معدل المعلومات المنقولة من الحواس للدماغ في الثانية الواحدة

الحاسةوحدة معلوماتية (Bit) في الثانية

البصر١٠٫٠٠٠٫٠٠٠
اللمس١٫٠٠٠٫٠٠٠
السمع١٠٠٫٠٠٠
الشم١٠٠٫٠٠٠
التذوق١٫٠٠٠
المصدر: الموسوعة البريطانية، جورج ماركوسكي ١٦/٦/٢٠١٧

بهذا التمهيد المختصر نبدأ مقالنا…

فالعديد من الناس يلحظون أن ذاكرتهم لم تعد بالحدة والسرعة السابقة، خاصة في سن ما بعد الستين، وقدرت إحدى الدراسات التي أجريت على ألفي مشارك تراوحت أعمارُهم بين  ٢٤ و٨٦  عاماً أن ما يقرب من ٤٠٪ من المشاركين كانت لديهم شكوى من ضعف الذاكرة، مع زيادة منتظمة في انتشار النسيان مع التقدم في السن: من ٢٩٪ في فئة الشباب إلى ٥٢٪ في الفئة الأكبر سنّاً، مع ملاحظة أن النسيان لم يشكل معضلة خطيرة عند معظم من اشتكى منه، ولا اعتبر عائقاً للمستقبل أو مسبباً للقلق، بغض النظر عن الفئة العمرية. ورغم أن الأبحاث تشير إلى أن الأشخاص الذين يشكون ضعف الذاكرة في الأربعينات من العمر قد يكونون أكثر عرضة لخطر الإصابة بالخرف عند تقدم العمر، إلا أن معظمهم لا يصاب بأي خرف أو تدهور للذاكرة مع الأيام.

أما الجديد المثير في هذا الموضوع، فهو الدراسة اللامعة التي قامت بها جامعة تورنتون و نشرتها دورية Neuron عام ٢٠١٧، حيث خَلُصَ الباحثون إلى أنَّ أهمية الذاكرة القوية أمرٌ مبالغٌ فيه بشدة وأنَّ النسيان في الواقع أمرٌ مفيدٌ لتطوير الذكاء و تحسين القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة.  يشير البروفيسور بليك ريتشلاند، أحد المشرفين على الدراسة، إلى أنَّ الهدف الحقيقي للذاكرة هو تحسين عملية صنع القرار من خلال الاحتفاظ بمعلومات قيمة والتخلص من المعلومات غير المهمة، مما يفسح المجال أمام الدماغ لتخزين و استيعاب و استرجاع التفاصيل المهمة اللازمة لتطوير الذكاء وزيادة القدرة على اتخاذ قرارات صائبة  “من المهم أن ينسى الدماغُ التفاصيلَ غيرَ ذات الأهمية ، وأن يركز بدلاً من ذلك على المعلومات التي ستساعد في اتخاذ القرارات في العالم الحقيقي”.  ويضيف البروفيسور: 

” إنَ  أفضل ما يخدم الذاكرة  هو عدم الحرص على حفظ كل شيء بشكل مطلق، وإذا كنت تحاول اتخاذ قرار، فسيكون من المستحيل القيام بذلك إذا تم قصف دماغك باستمرار بمعلومات غير مجدية ولا تفيدك شيئاً سوى المشاغبة على المعلومات المفيدة”. (نقلاً عن تقرير للإندبندنت نشر في ٢٩/٩/٢٠١٨).

لقد أشارت الدراسة آنفة الذكر إلى مفهوم جديد لقيمة ووظيفة الذاكرة، من حيث أن الهدف الحقيقي الثمين للذاكرة ليس تخزين المعلومات لنقلها عبر الزمن في حد ذاته، بل هو تحسين عملية صنع القرار عن طريق الحد من تأثير المعلومات القديمة على اتخاذ القرارات، مما يعزز المرونة و الحيوية عند اتخاذها. إن النسيان – بقدرما يسبب من معاناة عند اشتداده كما هو الحال في الخرف والألزهايمر- هو السبيل الذي يمنع الإفراط في استنساخ تجارب الماضي و تعميم التجارب السابقة على القادم من القرارات.

وخلاصة القول أن النسيان لا يمثل المقابل أو الضد من قوة الذاكرة، ولا هو يقل أهمية عنها. النسيان هنا هو استراتيجيةٌ عميقةُ الأساس لتحسين الذاكرة و تمتينها، وبناء نظامٍ مَرِنٍ لصنع القرارات اللازمة في خضم تزاحم المستجدات و ضوضاء الحياة. 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى