مقالات طبية متنوعة

هل سنستغني يوماً عن الأطباء

الذكاء الإصطناعي ودوره المستقبلي في الطب

هذا السؤال هو- بلا شك- أهم وأعمق الأسئلة التي تشغل بال الأطباء و العلماء، بل وحتى عوام الناس. 

فمع هذا التقدم المتسارع للتكنولوجيا، والحماس منقطع النظير لتوظيف الذكاء الإصطناعي في المجالات الطبية، أصبح من المتوقع أن يثور التساؤل عما إذا كان بإمكان مخرجات التكنولوجيا أن تحل محل الأطباء في تشخيص الأمراض، وتحليل نتائج الفحوصات المخبرية والصور الشعاعية ، ثم وضع الخطة العلاجية وصرف الأدوية التي يحتاجها المريض.

وقد بلغ الحماس في مناصري الذكاء الإصطناعي إلى الحد الذي جعل فينود خوسلا ، وهو ملياردير رأسمالي  في وادي السيليكون ، يصرح أن مهنة الطب تقترب من الإنقراض، وأنه يتوقع أن يتم إسناد معظم أعمال الأطباء في نهاية المطاف إلى الخوارزميات والأدوات الإصطناعية الأخرى التي ستقود إلى تشخيص دقيق دونما أي حاجة للرجوع إلى الأطباء. 

” ثمانون بالمئة من الأطباء سيتم الإستغناء عنهم مستقبلاً و ستحل الروبوتات مكانهم”.

فينود خوسلا

لا أحد ينكر القدرة الهائلة للكمبيوتر في حفظ المعلومات و أرشفة التقارير الطبية، وإمكانية ربط المعلومات و تحليلها وإستنباط النتائج منها.

كل هذا قد يحصل بكبسة زرعلى جهاز كمبيوتر مزود بعشرات ملايين الأبحاث الطبية التي ستمكنه حتماً من تشخيص المرض و علاجه ، دون الوقوع في مطب تخمين الأطباء ومحدودية معلوماتهم ورداءة خطوطهم التي يكتبون بها الوصفة الطبية.

 ولكن هل حقا تستطيع البشرية أن تستعني عن الأطباء ؟

هل يعتبر الطب أصلا علماً محكوماً بقوانين حسابية وفيزيائية ثابتة لا تتغيرأم أنه فن وحكمة وروح بقدر ماهو معادلات وإحصاءات ومعادلات .

” الطب هو علم اللا مؤكد وفن تركيب الإحتمالات “

Sir William Osler

لذلك فإنك ترى أن المجتمع الطبي بأسره لا يقر أبداً بإحتمالية إنفراد الذكاء الإصطناعي في الطب ومراحل العلاج ، ليس إنكاراً من الأطباء لتفوق الذكاء الإصطناعي في الذاكرة وتحليل النتائج ومقارنة البيانات والإحصاءات ولكن لأن كل من يمارس الطب يعلم يقيناً أن في الطب روحاً إنسانية عميقةً وعواطف دفيئةً تجعل لإبتسامة الطبيب في وجه مريضه سحراً يسري في وجدان المريض تبعث الطمأنينة والراحة ، هل تستطيع الروبوتات إمساك يد المريض لحظة وضعه على جهاز التنفس ؟ هل تدرك الروبوتات قيمة الدمعة التي قد يذرفها الطبيب حزناً على مريضه الذي كان يتابعة منذ عشرين عاماً قبل أن تعجز يداه عن علاجه ؟ . 

ثم هل تستطيع الخوارزميات إدراك الأبعاد الإقتصادية التي تجعل الطبيب يقرر أسلوبا مختلفاً عند وضع خطة العلاج لمرضى يشكون من نفس المرض ولكن يتباينون في أبعادهم الثقافية والشخصية بل وفهمهم لطبيعة المرض ؟

إن إختيار العلاج الأنسب للمريض لا يعني الإقتصار على وصف العقار الموجود في الأبحاث دون الرجوع إلى خصوصية حالة المريض في غير البعد الطبي ، إذ هل من الحكمة أن يصف الطبيب أفضل علاج منصوح به على الرغم من قناعة الطبيب  بعدم قدرة المريض على شراء العلاج لتكلفته العالية التي تفوق قدرة هذا المريض ،

ألا تختلف معايير الممارسة الطبية أحيانا بإختلاف المعتقد الديني والمستوى الثقافي والبيئة المجتمعية ؟ هذه أمور كلها لا تحكمها معادلات رياضية ولا أبعاد هندسية ولا خوارزميات معقدة، إنما يحكمها إدراك الطبيب لظروف مريضه ، وخبرة الطبيب في إقتراح الأنسب – مما قد لا يكون الأصح في خطة العلاج .

وأمر آخر هل أدى إنتشار الذكاء الإصطناعي بقدراته الفائقة الحدود أن يلغي دور علماء الرياضيات والفيزياء والعلوم والفضاء ، ألم تزل كل هذه العلوم- المحكومة بمعادلاتٍ رياضية لا تقبل تأويلاً ولا حكمة – تحت سيطرة أدمغة البشر دون أن يجرؤ عقل على التفكير بالإستغناء عن العلماء المختصين فإذا كان الحال كذلك فيما يسهل برمجته فكيف الحال في الطب الذي تتغير فيه أبجديات الممارسة الطبية وطرق التشخيص والعلاج من يوم لآخر .

لقد أظهرت دراسة حديثة أجريت في الولايات المتحدة أن ٧٠% من الذين شملهم الإستبيان لا يقبلون أن يتولى تشخيصهم وعلاجهم كمبيوترٌ أو روبوت معتبرين أن دور الطبيب لا يقتصر على إسقاط  المعلومات على حالة المريض بل يمتد ذلك ليشمل الجوانب الإنسانية والنفسية التي تلعب دوراً مهماً للغاية في تلقي العلاج .

وأخيرا فإن تاريخ البشرية والعلم لم يسجل على الإطلاق أية تعارض أو إستغناء لطرف على حساب الطرف الآخر بل على العكس فإن التطور العلمي أدى بإستمرار إلى زيادة الإنخراط الإنساني في الطب كما هو الحال في كافة العلوم ، ثم إن شهية الإنسان الطامحة دائما للأفضل ستبقى دائما تبحث عما هو أفضل لتمكين البشر بصحة وسلام وإستقرار .

خلاصة القول ، كلا …. لا يمكن الإستغناء عن حكمة الأطباء مهما بلغت درجة ذكاء الكمبيوتر الذي سيبقى آلة بلا روح ولا إنسانية ، وكلاهما أمر يختص به البشر حصراً. 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى