مقالات طبية متنوعة

هل فكرت يوما لماذا ننام؟

لمئاتِ السنين، ظَلَّ البشرُ يعتقدون أنَّ النّوْمَ هو حالةٌ سلبيةُ غيرُ مُنْتِجةٍ ولا فاعلةٍ، و بدا لَهُمْ أنَّ الوظيفةَ الوحيدةَ للنَّوْم هي إراحةُ الجسدِ من أعباء النهار السابق، وإعدادِه لنشاط اليوم اللاحق. و لذا، فقد تعاطت أدبياتُ البَشَرِ مع النّوْم كحالة يَحْسُنُ التقليلُ منها و استغلالُ وقتِها في العمل و العطاءِ و التسريةِ عن النَّفْسِ… أَلَمْ يَقُلْ عُمرُ الخيَّام في رباعيّاته:

أَفِـْــق خَفـــيفَ الــظِّلِّ هذا السـحرُ نادى، دَعْ الـــــــنَّوْمَ وناغِ الوَتَر
فــــما أطـــال الـنَّوْمُ عُـــــمْراً  ولا   قَصَّرَ فى الأَعْمار طولُ السَّهَر

عمر الخيام

ولكنَّ العلماءَ في آخر قرنين انتبهوا لحقائقَ جليةٍ جَعَلَتْهُم يعيدون النَّظَرَ في المفهوم السلبي السابق  للنوم، وَ جَدُّوا في محاولة الوصول إلى الدور الحقيقي الذي يلعبُه النوْمُ في حياتنا. فقد لاحظوا أنَّ النومَ ضروريٌّ حتى لِمَنْ أمضى أيامَه في كسلٍ و دَعَةٍ و دون بذل أي مجهود، ثمَّ انتبهوا أن أقل البشر جهداً هم المواليد الرُّضَّعِ الذين لا يقومون بأي جهد جسدي سوى الرضاعة و البكاء، ومع ذلك فهم يمضون معظمَ أوقاتهم في النوم ( يمضي المولودُ الجديدُ ما يَقْرُبُ من ۱٨ ساعةً يوميَّاً في النوم). و تساءلوا ايضاً: لِمَ يقلُّ تركيز المرءِ وَتَكْثُرُ أخطاؤُه كلَّما حُرِمَ من النوم، بَلْ لقد مارس الإنسانُ تعذيبَ الغيرِ بِمَنْعِهِمْ من النوم. لِكُلِّ ما سبق، بدأ العلماءُ بِسَبْرِ غَوْر النومِ و أَمْعَنُوا النَّظَرَ في ميكانيكيته الفيسيولوجية و النفسية و دورِهِ في دورة حياة الفرد ( نحن نمضِي َما يقرب من ثلثِ أعمارِنا في النوم). والحقيقة أنه مع كل الجهد المبذول في السنوات الأخيرةْ، لَمْ يستطع العلمُ بَعْدُ الإشارةَ إلى وظيفةٍ محددةٍ واضحةٍ المعالم للنوم، بَيْدَ أننا أصبحنا ندرك أن النومَ جَزءٌ أَصيلٌ من حياتنا، وله دوٌر لا يَقِلُّ أهميةً وعطاءاً عن اليقظة، حتى وإِنْ كان هذا الدورُ مَسْتوراً عن الإدراك السَطْحِيَّ. و حَسْبُنا أَنْ نُقِرَّ أن لا إنسانَ على وجه ِالبسيطةِ يستطيع البقاءَ مستيقظاً و نشطاً و عالي التركيز ولا حتى لمدة أيام قليلةٍ، وإِنْ تَعاطى ما شاء من المنبهاتِ و المنشطاتِ.

النَظرياتُ الحديثةُ في وظيفة النوم:

۱- نظرية الأَيْضِ و حِفْظِ الطاقة: إذْ تنخفضُ معدلاتُ استهلاكِ الطاقةِ في سائر الجسم، مما يعني القدرةَ على حفظ الطاقة خاصةً عندما تكونُ مصادرُ طاقة الجسم قليلةَ الوفرةِ.( تَذَكَّرْ ظاهرةَ السُّباتِ الشتويِّ عند بعض الحيوانات القطبية).

۲- تجديدُ مصادرِ الطاقة والبروتينات والنواقل العصبية في الدماغ التي اسْتُهْلِكَتْ في ساعات اليقظة.

٣-  إزالةُ مخلفات و نواتج عمليات الدماغ اثناء اليقظة، ومنعُ السُّمِّياتِ من التَّرَسُّبِ في الدماغ. 

٤- تنظيمُ إفراز بعض الهرمونات الرئيسية: إذْ يزدادُ إفرازُ هرمون النمو أثناء النوم, بينما تَتْبَعُ بعضُ الهرمونات نمطاً  في الإفراز: فبعضها يرتفع في اليقظة و ينخفض اثناء النوم، بينما يسلك غيُرها النمط المعاكس.

٥- يلعبُ النومُ دوراً مهماً في تقوية الجهاز المناعي و تنظيم صفوف المناعة.

٦- للنوم دورٌ مهمٌ جداً في تنظيم الذاكرة، وتثبيت الافكارِ المرادِ تخزينُها في الذاكرة، بينما يتم مَحْوُ وإِزالَةُ ما علق بالدماغ من أفكارٍ وصورٍ لا جدوى من تذكُّرِها.

هذه بعضُ النظرياتِ المتعلقةِ بوظيفة النوم، و لا يزال البحثُ جارٍ عن نظرياتٍ أخرى، توضحُ حقيقةَ هذه المرحلةِ اليوميةِ من حياتنا، هذه المرحلة التي لطالما جارَ الإنسانُ عليها، و صَرَفَ اهتمامَهُ عنها، غيرَ مدركٍ أَنَّ مرحلة ِالنومِ هي في الحقيقة الرُّكْنُ الشديدُ الذي يأوي اليه الجسدُ بعيداً عن ضَوْضاءِ اليقظةِ و همومِها. 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى