مقالات طبية متنوعة

الحرب العالمية العاشرة

الحرب العالمية العاشرة

ليس هناك أدنى شك أن العالم بأسره دق أجراس الحرب، وكل منا أخذ موقعه في مكافحة العدوان الغاشم، وأن هذه الحرب التي نشهدها اليوم تعد استكمالاً لعدة حروب خضناها  نحن بنو البشر من قبل، ومن المعروف تاريخياً ما لهذه الحروب من تداعيات على كافة المستويات. لقد انعكست مخلفات هذه الحروب سابقاً على أصعد شتى: فتوقفت الأنشطة التجا يةوتغيرت الموازين السياسية سقطت قوى عظمى ظهر تجار الحروب الذين يحاولون- بكل ما لديهم من قوة و خبث- السيطرة على ما تبقى من غنائم, ورغم ذلك فقد شهدت أيضاً بزوغ نجوم ابطالها الذين كانوا على خط الدفاع الأول .

كان ذلك ابتداءاً في موقعة طاعون جستنيان ( 541-750) الذي راح ضحيته  بين ٣٠ إلى ٥٠ مليون شخص، ما يقرب من نصف سكان العالم في ذلك الوقت، ثم موقعة الموت الأسود (1347-1351) في جميع أنحاء أوروبا مما أسفر عن وقوع نحو ٢٥مليون ضحية ,وقد ساد الإعتقاد أن الصين كانت هي موطن الوباء. ومن ثم فقد كان لنا صولات وجولات مع الجذري (القرنين 15,17) الذي رافق الأوروبين عند وصولهم إلى القارات  الأمريكية.

ثم جاد دور وباء الكوليرا (1817-1823) والذي ظهر في الهند وأودى بحياة الملايين قبل أن يتمكن طبيب بريطاني يدعى جون سنو من معرفة بعض  حول طرق الحد من انتشاره ، وخرج الناطق الإعلامي لمنظمة الصحة العالمية ليصفه بأنه الوباء المنسي إذ يصيب 1.3- 4 ملايين شخص سنوياً.

ولا ننسى موقعة الانفلنونزا الاسبانيةنية (1918-1919) التي أصابت نحو 500 مليون شخص وتسببت في قتل اكثر من 50 مليون على مستوى العالم, وغيرها من الإنفلونزا كإنفلونزا هونغ كونغ (1968-1970)، ومتلازمة التنفسية الوخيم (2002-2003) وإنفلونزا الخنازير (2009-201) ثم إيبولا (2014-2016).

إن ما نشهده الآن هو استكمالاً لسلسلة الحروب السابقة التي قدمنا الغالي والرخيص ، ولكن حرب الكورونا هذه قد تختلف عن سابقاتها في كثيرمن المعايير،وهذا ما ستكشفه الأيام. و لنتذكرجميعاً أنه بالرغم من تطور إمكانياتنا وجاهزّيتنا واستعدادنا  لأي عدوان غاشم من هذا العدو الفيروسي، إلا أن بدايات هذه الحروب عادةً ما تكون في صالح العدو و ليست في صالحنا, لكننا – مع هذا- لا نلبث أن نستعيد المبادرة, ونعيد ترتيب صفوفنا, فنتمكن من دحره ورده يجر أذيال الخيبة والفشل .و مع كل ذاك, فلا بد أن نعترف أن قهر الفيروس و هزيمته لا تتم دون أن يترك في العالم أزماتٍ اقتصاديةً وصحيةً, وانتكاساتٍ أمنيةً وسياسيةً, و جراحاً نفسيةً نتيجة بثه الذعر وعدم الإستقرار, وإنهاكه الساسة و العلماء و الأطباء, و تسببه في ضياع الأيدي العاملة و تبدد ثروات الأفراد و الأمم.

بالرغم من حصانة البنية التحتية الطبية ،ومن أعداد الجنود الذين ينضمون باستمرار إلى ركب العسكرية الطبية و يبدون جدارتهم في حسم العديد من الوقائع الطبية,و برغم سِجِلِّ الإنتصارات الحافل,و العبقرية البشرية في تحديث الأسلحة الطبية, و تطويرأجهزة الكشف و التشخيص, و تحسين دقة الفحوصات الطبية، والغوص في علوم الجزيآت و الجينات و خفايا الكيمياء و الفيزياء, و غيرها من فنون و إبداعات أجهزة الاستخبارات البشرية،هذا عدا عن قوات حفظ السلام والمعاهدات التي شرعت لتنظيم طرق التعامل مع هذه الفيروسات, أقول أننا مع كل هذا الجهد و الإبداع, إلا أننا وقفنا حائرين  مكتوفي الأيدي, بل و مذهولين لشدة بطش و جبروت هذا الخطرالذي بدأ هجومه في الشرق، ثم زحف و استشرس في بغيه حتى أثخن أحفاد بناة سور الصين العظيم, ثم ما لبث أن أعمل سيفه في أحفاد دافنتشي, و أبناء بيكاسو, و ورثة كانت و فولتيير و تشكسبير و إيديسون,فأودى بالآلاف و أصاب الملايين. لكننا حتماً سنعيد تنظيم الصفوف و حشد الطاقات و توحيد الجهود, لنصول عليه صولتنا و نبطش به بطشتنا التي ترده مهزوماً مخذولاً. 

لكن؛ في النفس سؤال يراودني ويراود غيري …كيف سيغدو عالمنا بعد الكورونا؟ هل سيعود عالم ما بعد الكورونا كما كان من قبل ؟

أظن ان النفي هو سيد الأجوبة, بل أكاد أجزم أن الكثير الكثير سيصيبه التغيير في هذا العالم, مروراً بالخسائرالبشرية التي لحقت بنا من هذه الحرب ،فها هي قد أسفرت حتى الآن عن إصابات متنوعة: منها الطفيفة التي تتماثل للشفاء العاجل خلال ١٤ يوماً ،ومنها البالغة والحرجة التي لا تزال على أجهزة التنفس الصناعي في غرف ال ICU والتي وصلت أعدادها إلى وقتنا هذا إلى الآلاف و ربما عشرات الآلاف، فضلاً عن الأرواح التي أزهقت, والضحايا التي وقعت,خاصة في فئة كبار السن الذي استسهل هذا العدو بث شروره في أجسادهم.

أما الجانب الإقتصادي, فقد عَظُمَتْ بليّتُهُ وادلهم خَطْبُه, فها قد  شلت الحركة التجارية تماماٌ، وانخفضت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات, وتوقفت الملاحة الجوية والبحرية (التي تشهد أحلك أوقاتها نتيجة توقفها التام والمفاجئ تحسباً لانتقال العدو من دولة إلى أخرى متخفياً برذاذ الهواء والأسطح الصلبة ). نعم, لقد أصيب الإقتصاد بالشلل الشامل في كل مدارس الفكر الإقتصادي و سياساته وعلى مستوى العالم  أجمع, لا استثناء فيه لدول على أفراد, ولا لمواطنين على حكوماتهم. و لا يظنن واهمٌ أن طباعة الوفير من البنكنوت الذي تقوم به الدول العظمى لتوفيرالنقد سيولةً لمواطنيها, أقول, لا يظنن واهمٌ أن هذا الحل الآني لن تكون له تبعات سلبية بأسها شديد في القادم من الأيام, حين ينجلى غبار الحرب, و تبدأ البشرية في ترميم جراحاتها. و الأنكى من ذلك, أننا نقاتل عدواً لا نعرف بأسه, ولا نحصي جنده, فقل لي بالله عليك, إلى متى يستطيع البشر أن يبقوا كلٌّ منهم داخل حدوده؟  ومَنْ مِنَ الدول يملك ترف الإستغناء عن معاملاته مع الآخرين؟ ثم كم سيكفي المخزون الإستراتيجي من الغذاء و الدواء؟ ثم أتظن العالم سيغدو حر الحركة فور اعلان النصر؟!. 

كلا بالطبع. وإياك أن تظن أن الموت يحمل حقاً درساً لكل آدمي تخط قدماه سطح الأرض, إذ  لعلنا لا نلبث بعد النصرإلا قليلاً حتى يطل تجار الحروب برؤوسهم العفنة و نفوسهم النتنة, منتهزين هول المأساة و ضعف الأنفس, فيبيعوا و يشتروا, ويزلزلو اقتصاديات الدول, خاصة الضعيفة المبتلاة, و يمهدوا الطريق للسياسة كي تلعب – بدورها – لعبتها و تضرب ضربتها, ثم  تأتي و تطالب بعقد مؤتمر عالمي للعدل: العدل في تقسيم الغنائم بين المتنافسين الأقوياء.

و بعد، فمن المؤكد أن الحروب تحتمل  كل النتائج ولا يمكن الجزم بنتائجها مسبقاً, وقد لا يمكن التنبوء بمفاجآتها لأنها في الواقع جزء منها. لكننا على يقين أن العالم لن يتوقف عند هذه الحرب, بل لقد علمتنا التجارب أن الحياة ستستمر, تماماً  كما استمرت في سابقاتها من التحديات. و علينا أن نؤمن أن الرهان الحق سيبقى دوماً على العقل البشري الذي نملكه حصراً دون سائر المخلوقات: إنه حقاً الشيء الوحيد الذي كنا و لا زلنا و سنبقى نراهن عليه .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى