مقالات طبية متنوعة

أين يقف عقار الملاريا من فيروس الكورونا

لؤي عدنان الحسيني

استشاري الامراض الصدرية والعناية الحثيثة وامراض النوم

انشغلت الأوساط العلمية والشعبية بأخبار عقار الهيدروكسيكلوروكوين كعلاج محتمل لمرض الكورونا المستجد, خاصة في الحالات الشديدة التي وصل فيها الفيروس إلى الرئتين مسبباً قصوراً شديداً في وظائف الجهاز التنفسي أدت في بعض الحالات – للأسف – إلى الوفاة. والحقيقة أنه من المبكر الجزم بفعالية هذا العقار ضد الكورونا خاصة أن الدراسات التي أبدت نتائج إيجابية للعقار ضد الفيروس هي دراسات قليلة العدد مع قلة عدد المرضى الذين أدخلوا في البروتوكول العلاجي المحتوي على هذا العقار, وبالتالي – حسب البعض – لا نستطيع تعميم نتائج هذه الدراسات على الأعداد الكبيرة المصابة أو التي قد تصاب بالفيروس,  لا بل لا يمكن حتى التأكد من سلامة هذا العقار عند استخدامه في الحالات المتقدمة من مرض الكورونا المستجد. وفي المقابل, يذهب فريق آخر من العلماء إلى الحض على استخدام الهيدروكسيكلوروكوين لمواجهة خطر الكورونا الداهم, وتنبع قناعة هذا الفريق بالعقار من حيث دلالة الدراسات التي أثبتت نجاح هذا العقارفي الحد من خطورة الفيروس حتى مع كون هذه الدراسات لم ترق حسب عدد المشتركين فيها إلى المستوى المطلوب علمياً و إحصائياً الذي يسمح بتعميم النتائج و اعتماد العقار كعلاج – ولو جزئي – للكورونا. هذا القسم من العلماء و الأطباء المتحمسون لاستخدام العقار يعتقدون أن العالم لا يملك ترف الوقت اللازم لإجراء دراسات كبيرة على دور العقار في مرض الكورونا, لا سيما وأن أعداد المصابين و المتوفين بهذا الوباء في ازدياد مضطرد في معظم دول العالم مع عدم العثور على العلاج الأكيد للمرض حتى الآن, ومع نفي القدرة على إنتاج المطعوم الواقي من الكورونا في منظور الأشهر القليلة القادمة.  أضف إلى ذلك أن هذا العقار يستخدم بالفعل منذ سنين طويلة في علاج الملاريا و الوقاية منها, وكذلك في علاج بعض الأمراض الروماتيزمية و المناعية, و بالمجمل فإنه يحمل تاريخاً جيداً بالنسبة إلى معيار السلامة و قلة نسبة المضاعفات الناتجة عن استخدامه. كل هذا يدعو- حسب هذا الفريق – إلى تجربة هذا العقار كونه يحمل مسحة أمل للبشرية في صراعها لكبح جموح هذا الفيروس.

نبذة عن الهيدروكسيكلوروكوين:

هذا العقار يستخدم أساساً في علاج الملاريا, وفي الوقاية من الملاريا للمسافرين إلى مناطق تكثر فيها الملاريا. كذلك يستخدم في علاج بعض الأمراض الروماتيزمية والمناعية. بدأ استخدام العقار في العام ۱٩٥٥م, وهو مدرج في قائمة الأدوية الأكثر ضرورية, و الأكثر سلامة و الأضمن فعالية حسب منظمة الصحة العالمية. يؤخذ الدواء عن طريق الفم, ولا يعرف على وجه الدقة إن كان ينفذ عبر المشيمة أثناء الحمل, لكن لا مانع من استخدامه في الحوامل إذا اقتضت الحاجة لذلك, وينطبق الأمر ذاته على الرضاعة. أهم موانع الإستخدام هو وجود تاريخ سابق للتحسس عند أخذ العلاجات المحتوية على نفس المادة الفعالة, كذلك ينبغي مراعاة مرضى القلب و السكري و اعتلالات الكلى و الكبد, وهذا الأمر يتم بإشراف الطبيب. 

المضاعفات المحتملة: يعتبر هذا العقار ذا مستوى مقبول بالنسبة لنسب حدوث المضاعفات, أبرزها الشعور بالغثيان, الصداع, إعياء عام, ضعف الشهية و أحياناً تغير المزاج. غير أن أكثر هذه المضاعفات شدة رغم قلة حدوثها هو أمراض الشبكية. لكن لتوضيح الأمر لا بد من النظر بدقة إلى نسبة حدوث أمراض الشبكة عند تناول الهيدروكسيكلوروكوين: إذ يصاب سبعة فقط من كل مئة شخص يستخدمون هذا العقار لمدة تزيد عن الخمس سنوات, بينما تصل النسبة إلى ۲۰-٥۰ ٪ عند استخدامه لفترة عشرين سنة فأكثر. إن هذه النسب تظهر أن العامل الأساس في حدوث أمراض العين مع هذا العقار هو طول فترة العلاج الممتدة لسنوات, ومن الجلي أن فترة إعطاء هذا العقار عند استخدامه في علاج الكورونا لا تمتد أكثر من بضعة أيام أو أسابيع قليلة. لذا, فلا مبرر حقاً للخوف من الإصابة بأمراض العين عند استخدام هذا العلاج في مواجهة الكورونا, ما لم تكن العين مصابة بأمراض مسبقاً.

الدور المأمول للهيدروكسيكلوروكوين في وباء الكورونا:

بدايةً, لم تأت فكرة استخدام هذا العقار من لا شيء, إذ أظهر العديد من الدراسات المخبرية السابقة وجود فعالية للعقار ضد العديد من الفيروسات, بل و استخدم العقارأحياناً في بروتوكولات علاجية سريرية لعلاج مرض فيروس الكورونا سارس-  ۱ (SARS) في عام ۲۰۰٣م, وأحياناً في بعض حالات مرض الكورونا (MERS) عام ۲۰۱۲م. بل واستخدم أيضاً في علاج وباء زيكا (ZIKA) الذي انتشر في أمريكا اللاتينية في ۲۰۱٥ – ۲۰۱٦م. وبرغم وجود نتائج مشجعة لفعاليته ولو جزئياً في علاج هذه الفيروسات, إلا أن الأمر ظل خلافياً في الأوساط الطبية و العلمية.

بدأ استخدام العقار في علاج مرضى الكورونا المستجد في الصين, حيث ضُمِّن العقار في بعض البروتوكولات العلاجية أثناء ذروة ابتلاء الصين بهذا الوباء, و كانت النتائج متضاربة نوعاً ما, فبينما أعطت بعض التقارير أملاً في كون العقار فعالاً إلى حد مقبول, اظهرت تقارير أخرى عدم فاعلية العقار في الإسراع من التخلص من الفيروس في الجسم. لكن المحصلة للخبرة الصينية كانت بادراج الهيدروكسيكلوروكوين ضمن العلاجات التي يمكن استخدامها لعلاج الكورونا المستجد (باستثناء مرضى القلب نظراً لاحتمالية تعرضهم لمضاعفات العقار) في نشرة الإرشادات والقواعد الصينية لعلاج التهاب الكورونا المستجد الصادر عن اللجنة  الوطنية الصحية الصينية بتاريخ ٤/٣/۲۰۲۰م.

أما التجربة الأوروبية فقد أبرزت دوراً أوضح للعقار,  إذ توصلت دراسة في فرنسا أجريت على ستة و ثلاثين مريضاً قدرة العقار على تسريع معدل التخلص من الفيروس من جسم المصاب و بالتالي تحسن فرصة التعافي و الشفاء. بيد أن بعض الاعتراضات العلمية على الدراسة أدت ببعض الأطباء إلى عدم القدرة على استخلاص نتيجة إيجابية لاستخدام العقار, رغم حماسة فريق آخر لا يقل عدداً ولا شهرةً لاستنباط أن العقار ذو فاعلية حقيقية ضد الكورونا المستجد.,و لذا فقد أعطت اللجنة الفنية التقنية لوكالة الأدوية الإيطالية تقييماً إيجابياً لاستخدام الهيدروكسيكلوروكوين في علاج وباء الكورونا المستجد. 

ثم ظهرت دراسة أخرى أظهرت فعالية أكبر ضد الكورونا المستجد عند استخدام عقاري الهيدروكسيكتوروكوين مع أزيثرومايسن (وهو مضاد حيوي شهير وله خصائص في تقوية الجهاز المناعي). إذ أظهرت  الدراسة تحسناً واضحاً في سرعة التخلص من الفيروس عند استخدام العقارين مجتمعين, بصورة أفضل من استخدام الهيدروكسيكلوروكوين لوحده والذي كان بدوره أفضل نتيجة من عدم إعطائه في البروتوكول العلاجي.

و من المثير حقاً أن بعض الأبحاث بدأت بدراسة ما إذا كان عقار الهيدروكسيكلوروكوين مفيداً للوقاية من الكورونا عند الأشخاص غير المصابين ولكن المخالطين لمرضى الكورونا , خاصة العاملين في المجال الطبي في فرق علاج الكورونا, أو ذوي الشخص المصاب ممن قد يتعرضون لمضاعفات خطيرة إذا أصيبوا بالفيروس. إن هذا الأمر- إن ما أثبتت نجاعته – سيكون له أعظم الأثر في تحقيق انتصار البشرية على هذا المرض. 

وبعد, فإن العلم و رجالاته في مختلف أصقاع الأرض منخرطون جميعاً في النزال ضد فيروس الكورونا المستجد. وبالقدر ذاته, ينبغي على كل البشر القيام بالجهد المطلوب لضمان تطبيق تعليمات النظافة الشخصية من غسل اليدين و تعقيم الأسطح و تباعد المسافة في أماكن التجمع,,,إلخ., إذ أن اجتماع الجهد البشري كفيل أن يضمن انتصارنا على هذا الفيروس الدخيل.  

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى