مقالات طبية متنوعة

كمْ يَعيشُ الإنسانُ إِنْ لمْ يُصِبْهُ المرضُ أبداً؟

هذا مقالٌ علميٌّ بَحْتٌ، ليس فيه أيًّ إسقاطٍ دينيٍّ أو ميتافيزيقي،  ولا إنكارٌ لعقيدتنا أنَّ الروحَ من أمر الله، و أن مُبْتَدى الأجل و منتهاه بيد البارئ، بل هو – كما نراه – استجابةٌ لأمر الله في النظر في أنفسنا، لأنه سبحانه أودع فينا ما يدل على قدرته و عظمته ، وجعل فيها ما يكفي دليلاً على بديعِ صُنْعِه…” أولم يتفكروا في أنفسهم”.  

هذا المقال يبحثُ في سؤالٍ عميقٍ، لم يَبْقَ عقلٌ بشريٌّ إلا و تساءَلَه دون أن يجد -ولن يجد- له جواباً…كم يعيش الإنسان إن لم يصادفه مرضٌ أو شدةٌ؟ هل الجسم البشري مبرمجٌ ليحيا سنينً معدودةً ثم يموت؟ أم أنَّ عارضَ المرض هو الذي يَحِدُّ من استمرارية الحياة؟ هل نستطيع أن نُعَمِّرَ لمئات السنين إن استطعنا أن نتلافى العلل و الآفات؟ دعوما ننظر إلى العلم كيف يحاول الإجابةَ على هذا التساؤل.

لقد شهد متوسطُ العمرِ المتوقعِ للإنسان ازدياداً مضطرداً منذ القرن التاسع عشر، لدرجة دفعتْ بعضَ العلماء إلى الإعتقاد أنه لا يوجد حدٌّ أعلى لعمر الإنسان، و أنه مع التطور الطبي و علم تعديل الجينات يمكن الوصولُ إلى تمديد العمر المتوقع للجنس البشري إلى مئات السنين… لكنَّ هذا ليس محلَّ اتفاقٍ بين العلماء، إذ يعتقد الكثيرون أن هناك حدّاً لعمر الإنسان لا نستطيع تجاوزَهُ مهما بلغنا من تطور، و أن الزيادة المطردة في متوسط العمر المتوقع والحد الأقصى من عمر الإنسان الذي شوهد خلال القرن الماضي ستتوقف في نهاية المطاف. 

نشرت مجلة (Nature) دراسةً في هذا الصدد، كانت نتيجتُها أنَّ هناك حدًا طبيعيًا لحياة الإنسان يبلغ حوالي ١١٥عامًا،  وأن احتمالَ تجاوز الشخص لحاجز سن ١٢٥ في أي وقت قادم سيكون أقل من ١في ١٠٠٠٠، وتشير الدراسات التي تؤيد وجهة النظر هذه إلى أن عمر الإنسان لا يتحدد فقط بتأثير المرض على الجسم، بل تحدده العواملُ الوراثيةُ و الطبيعةُ الجينية للفرد. أضفْ إلى ذلك أن التقدمَ الطبيَ المعاصرَ رافقه أيضاً تدهورٌ في البيئة و ازديادُ التلوث و التدخين، مع قلة المجهود البدني المبذول يومياً و النزوع إلى الطعام غير الصحي. كل هذه العوامل – يقول هذا الفريق من العلماء – تؤدي بالضرورة إلى بقاء متوسط العمرالبشري في حدود ١١٥ عاماً. ومن أبرز ما يستدل عليه العلماء هو محدودية قدرة الخلايا البشرية على التوالد نظراً لاستهلاك المواد اللازمة لفصل الكروموسومات في الخلايا الوليدة، و بالتالي لا تستطيع أجهزةُ الجسم تعويضَ الخلايا الميتة، مما يفقدها القدرةَ على القيام بوظائفها تدريجياً إلى ان ينتهي الأمر بالموت. إذن باختصار، فإنَّ وجهةَ نظر هذا الفريق من العلماء أن النظامَ الجينيَّ اللازمَ لتوالد الخلايا، بالإضافة إلى سلبيات البيئة و الممارسات الشخصية، كل ذلك يَحِدُّ من قدرة العلم على تحقيق زيادةٍ في متوسط العمر البشري بدرجة تفوق ما أنجزناه في آخر قرن، و هو ما جعلهم لا يتصورون أن  يصل العمرَ البشريَّ حَدَّ ١٥٠  عاماً.      

ولكنْ، وعلى الجهة الأخرى، يقف فريقٌ من العلماء متحمسٌ لفكرة أن العلمَ و الطبَّ قادران على الوصول بمتوسط العمر البشري إلى مئتي عام، ربما ثلاثمائة عام، و ربما حتى أكثر من ذلك. و حجتهم في ذلك أن علمَ الجينات قادرٌ على تطوير آليةٍ لتجديد توالدِ الخلايا و منعِ المواد اللازمة من النقصان، وأنَّ المؤشراتِ العلميةَ تدفعُ للتفاؤلِ رغم القناعة أن هذا أمرٌ يحتاجُ إلى سنين و سنين لتحقيقه. كذلك يرى هذا الفريقُ أن هناك انتشاراً واسعاً لمفهوم العودة إلى البيئة النظيفة، و تقبلاً عالمياً لضرورة محاربة التلوث والتدخين ونمط الحياة الكسول. و يؤمن العلماءُ أنَّ تطورَ علمِ الجينات، وتقدمَ الطب الوقائي والعلاجي، واتساع رقعة الخدمات الطبية، و السعي لمحاربة المرض و التلوث، كل ذلك سيؤدي إلى استئناف معدلات الزيادة في متوسط العمر البشري إلى معدلات لم يسبق للبشر أن عاينوها. يقول بروفيسور هيكيمي أستاذُ علم الأحياء في جامعة ماكجيل بكندا: “السببُ الذي يجعلُ الناسَ سيعيشون بالتأكيد لفترةٍ أطولَ في المستقبل مما هم  عليه هذه الأيام هو أن أولئك المعمرين الموجودين بيننا ممن تجاوزوا المئة عام  قد استفادوا جزئيًا فقط من كل التطورات التي حصلت، وأن النتيجةَ المنطقيةَ هي زيادةُ متوسط العمر للناس نتيجةَ سيطرةِ البشرية بشكل أكبر وأكبر على بيئتها وظروف معيشتها، لذلك لا يوجد سببٌ للاعتقاد بأنَّ الناسَ لن يستمروا في العيش لفترة أطولَ وأطولَ”.

طبعاً، يحق لنا أنْ نتساءلَ الآن: حتى لو آمَنَّا أنَّ العلم سيؤدي إلى الإستمرار في زيادة العمر البشري، هل سيصحب ذلك زيادةٌ في السعادة والطمأنينة  ومساحة العطاء  والإبداع البشري؟ أم أنَّ تلك الزيادةَ سَتَجُرَّ على البشرية مزيداً من ويلات التعاسة و الحروب و الجشع و الإستغلال؟ لا أحد يملك الجوابَ…و لا أَحسبُ أنَّ أحداً سيجد الجوابَ أبداً…. 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى