مقالات طبية متنوعة

تَفَاءَلْ.. حتى عندما تَشعُر بالتَّشاؤُم

لماذا يتذمَّرُ الإنسانُ مِنَ التشاؤم؟ لماذا نَتَخَيَّلُ التشاؤمَ صورةً سوداءَ قاتمةً؟  لماذا ننتقده دوماً ثمَّ نَقَعُ فيه جميعاً؟  لماذا لمْ يستطِعْ التطورُ البشريُّ- عند من يؤمنون به- أن يتخلصَ من هذا الضعف النفسي؟  أليس حَرِياًّ بالمؤمن أنْ يهجُرَ التشاؤمَ لأنَّهُ سوءُ ظنٍ بتقديرِ الخالق –والعياذُ بالله-؟ و لماذا يتشاءم التطوريون رغم إيمانهم أنَّ الصفات الضروريةَ هي التي تبقى بينما تتلاشى صفاتُ العجزِ و الضعفِ؟ هل للتشاؤم فضلٌ نغفَلُ عنه لأننا لا نعقِلُ أنَّ العتمَةَ قد تنتجُ نوراً؟ أَوَلَسْنا نعلمُ أنَّ التحديقَ الدقيقَ في الظلامِ يجعلكَ تبصرُ خُطاك وتهتدي سبيلَكَ مهما اشتدَّتْ حُلْكَةُ الظلامِ حولَك؟ ….بمعنى آخر…هل التشاؤُمُ يمكن أنْ يمثِّلَ ظاهرةً إيجابيةً؟

دَعْنا نتفِقُ أولاً أنَّ نُفوسَ البشرِ تختلف في استعداداتها وفي رَدَّاتِ أَفعالها إزاءَ أحداثِ الحياة، دون أنْ تكونَ الحقيقةُ المطلقةُ حِكْراً على أحد. لذلك، فإنَّ الناسَ تَجِدُهم يكِّررون ” تفاءلوا بالخير تجدوه” كوسيلةٍ لبعث التفكير الإيجابي إيماناً منهم أنَّ التفاؤلَ هو أصلُ النَّظَرِ المستقبلي، لكِنَّ قسماً من البشر قد يَسلكون مسلَكَ التشاؤمِ وسيلةً لشحذِ التفكيرِ الإيجابيِ، إنهم بتشاؤمهم هذا يضعون أسوأ السيناريوهات المحتملة ثم يبذلون أقصى الوسع لتلافي الوقوعَ في هذا السيناريو، وبالمحصلة: فإِنَّ شعورَهم بالتشاؤُمِ أَوْصَلَهم إلى النجاح عن طريق التَّحَوُّطِ مِنْ كُلِّ ما هو سَلْبِيٌّ. عندها، يكونُ هذا التشاؤمُ هو السُّلَّمُ المُؤَدي إلى النجاح…. تَأَمَّلْ ملياًّ في الأمر.

وَثَمَّةَ أَمْرٌ آخُر حَسَنٌ في وجودِ بعض الشيءِ منَ التشاؤم: فالبعضُ يَدْفعُهم شعورُهم بالتشاؤم إلى أن يضعوا  توقعاتٍ منخفضةً للمستقبل، وبعدها يبدأون التفكيرَ من خلال طرق ملموسة وحَيَّةٍ في ما قد يحدث بالضبط، و يضعون الخططَ الحيويةَ التي تساعدهم على التخطيطِ لتجنُّبِ الكارثة، وينتهي بهم الأمرُإلى أداءٍ أفضلَ بكثيرٍ مما ظَنُّوهُ في البداية. لذلك قال ماكس بربوهم (كاتب إنجليزي): إِنَّ التشاؤمَ يُكسبُنا لحظاتٍ عظيمةً من السعادة. 

منْ ناحيةٍ أخرى فإنَّ ربطَ التشاؤمِ بالإحباطِ أمرٌ لا يَلْزَمُ تَقَبُّلَهُ، لإنَّ التشاؤمَ  هو في أحيان كثيرةٍ وسيلةٌ لإعلامِنا بحقيقةِ الحالِ وتحصينِنا ضد قسوةِ الحياة التي هي جزءٌ أَصيلٌ من الوجودِ الإنسانيِّ على الأرض… أَلا ترى أنَّ الذي يَحْسَبُ الحياةَ سعادةً بلا انقطاعٍ هو شخصٌ واهِمٌ..هذا إنْ لم يكنْ أحمقَ الفكر.

في دراسةٍ ماتعةٍ أُجْرِيَتْ على أربعينَ ألف شخصٍ، وجد العلماءُ أنَّ أولئك الذين لديهم توقعات منخفضة لمستقبل مُرْضٍ يتمتعون بحياةٍ أكثرَ صحة، بينما ارتبط “التفاؤلُ المفرطُ بمستقبل جميل” بازدياد خطر الوفاة أو المرض الشديد خلال السنوات العشر التالية من حياة الشخص. و علقَ المؤلفُ الرئيسيُ فريدر لانج قائلاً: “كشفَتْ نتائجُنا أن التفاؤلَ المفرطَ في التنبؤ بمستقبلٍ أفضل مرتبطٌ بخطرٍ أكبرَ للإعاقةِ والوفاةِ خلال العقد التالي، و يَظْهَرُ أنَّ التشاؤمَ بشأن المستقبل قد يُشجعُ الناسَ على العيشِ بحذرٍ أكبر ، مع اتخاذ احتياطات الصحة والسلامة”(1) . لقد وجدتْ الدراسةُ أنَّ الأشخاصَ الذين لديهم توقعاتٌ منخفضةٌ بشأن المستقبلِ يميلون إلى قيادة أنماطِ حياةٍ صحيةٍ، وبالتالي يعيشون لفترةٍ أطول، وأنهم كانوا أكثرَ واقعيةً في توقعاتهم ولذلك فقد كانوا أكثرَ دقةً في تقديراتهم وفي خطوات معيشتهم.

أما إذا أَردْتَ المزيدَ من عجائِبِ التشاؤمِ، فانظر إلى الدراسات المتعلقة بالمحيط النفسي للأزواج: إذ توصلتْ دراساتٌ عدة إلى أنَّ الزوجين اللذين يواجهان مشاكلَ معتبَرَة و متكررة يحققان نتائجَ أفضلَ في الرضا عن علاقتهما إذا تَبَنَّيا توقعاتٍ وصفاتٍ أقلَّ إيجابيةً ، وسلوك أكثر سلبية. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن هذه العمليات ساعدت الأزواجَ على الاعترافِ بهذه المشاكلِ ومعالجتِها وحلِّهاعلى وجهِ التحديد ، على الرغم من أن التوقعات الأكثر إيجابية ، والصفات الأكثر إيجابية ، والسلوك الأقل سلبية ، والمزيد من التسامح حافظت بشكل أكثر فعالية على الرضا بين الأزواج الذين يواجهون مشاكل نادرة وقليلة ،. وبناءً على ذلك ، قد يستفيد الأزواج المنكوبين والمعرضين للخطر من التداخلات العلاجية التي تعلمهم التفكيرَ والتصرفَ بطُرُقٍ تَحْفِزُهُم ْعلى حلِ مشاكِلِهم ، حتى إذا كانت تلك الأفكارُ والسلوكياتُ مرتبطةً بالمشاعر السلبية في الوقت الحالي(2).

هناك أمرٌ آخرُ يجب التنبيهُ إليه،  وهو أَنَّ التشاؤمَ ليس رديفاً للعَدَمِيَّةِ (nihilism) ولا لِلتَّشَكُّكِ (skepticism)(3). ولتوضيحِ الفرق: فإن العدمية

هي الاعتقادُ بأنه لا معنى لحياتنا ، وأنه من غير المجدي البحثُ عن معنى للحياة. ونظرًا لأنَّ العدميين لا يؤمنونَ بأيِّ معنى جوهري ، غالبًا ما يَسْعونَ لإيجاد نَكْهَتِهِمْ الخاصة للحياة، فتراهم يختارون المتعة: أي الاعتقاد بضرورة السعيِ وراءِ المتعةِ الجسديةِ كأساسِ خياراتِهم في الحياة، هم ببساطةٍ يَسْعون لأن يكونوا سعداءَ، وأن يستمتعوا  بقشورِ الأشياءِ دون التدقيقِ في جوهرِها (لأنهم يؤمنون بالفعل أنه لا يوجدُ شيءٌ جوهريٌّ ليجدوه). أمَّا التشككُ فهو اتخاذُ الشَّكِّ أساسَ الحكمِ على ادعاءاتِ الحقيقةِ،  ورفض قبول الإدعاءات غير المدعومة بأدلة جيدة للغاية، وهذا يختلف تماماً عن توقُعِ الأسوء و التحرُّزِ منه كما هو الحالُ في التشاؤم. 

نهايةً، هل هذه دعوةٌ للتشاؤم  المطلَقِ في الحياة و أحداثِها؟ هل تَبَنِّي مفهوم التشاؤم هو الطريقُ الأوضحُ للخَلاص من سَوْداوِيَّةِ الأحداث؟ كلا..ليس هذا ما أردناه هدفاً لمقالِنا، كلُّ ما أحببْنا أن نوضحَهُ (كما ذكرنا في مقالات سابقة) أنَّ الوصولَ إلى الرضا والنجاح في التغلب على تحديات الحياة يتطلبُ منا الإيمانَ بحتميةِ قانونِ التوازُنِ الدنيوي: فَكَما أنك تحتاجُ إلى كِلْتَيْ عينيكَ سليمتينِ كي ترى الصورةَ في تَمامِ اعتدالِها، فكذلك الأمرُ في التفاؤلِ و التشاؤمِ: في كُلٍّ منها خيرٌ وشرٌّ، واستقامةُ حياتِكَ  تعتمدُ على اتِّزانِ كَفَّتَيْهِما. 


(1) Forecasting Life Satisfaction Across Adulthood: Benefits of Seeing a Dark Future? Frieder R. Lang,et al. Psychology and Aging, Vol. 28, No. 1, 249 –261

(2) When Positive Processes Hurt Relationships. James K. McNulty. Current Directions in psychological science. June 10, 2010

(3) PESSIMISM PHILOSOPHY, ETHIC, SPIRIT. 2006. Joshua Foa Dienstag

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى