مقالات طبية متنوعة

لماذا يشاهد البعض أفلام الرعب؟

لماذا يَسْعى عشّاقُ أفلامِ الرعبِ وراءَ الخوف؟ ما الذي يَجْنونَهُ مِنَ التَّوتُّرِ و شَدِّ الأعصاب؟ ما الدافعُ لِقَضاءِ أمسيةٍ ماتعةٍ بين الأشباحِ والأَرْواح بَدَلَ قَضائِها بين صفحات روايةٍ لنجيب محفوظ أو ديوانِ المتنبي أو أربعاء طه حسسين أَوْ طرب عبد الحليم أو كوميديا عادل إمام؟ لماذا يبحثُ البعضُ عن الرُّعْبِ و كأَّنَّ أخبارَ العالمِ و أحداثَهُ قدْ جَرَّتْ عليه السأمَ لكثرةِ أفراحِها و نُدْرَةِ أتراحِها؟ 

الحقيقةُ أنَّ لِمشاهدةِ أفلامِ الرعبِ مذاقاً سائغاً عند عشاق هذا الفن، وله فيهم أثَر المُسَكِّنِ في الرأسِ المُتَصدِّعِ. ودَعْني أَلْفِتُ نظرَكَ إلى كلمة “فَن” لأَنَّ إنتاجَ أفلامِ الرعبِ يستوفي حقَّا كلَّ عناصرِ الفَنِّ الأّصيل: إذْ أَنَّكَ تَجِدُ فنّاً في القصة و الحبكة، و فنّاً في التمثيل، و فنّاً في الإخراج، ، وفي استخدام الأضواء الخافتة أحياناً و الساطعة أحياناً أخرى، تَنْبَعِثُ من الأسفل للأعلى حيناً و بالعكس حيناً آخر، و تجد فنّاً في التصوير لا تكادُ تَراهُ في غيرِ أفلامِ الرعبِ: فتارةً ترى التصويرَ مِنْ أَعلى أوْ من خلف الممثل، وأنتَ لا شَكَّ تلحظُ كيف يركزون على وجه الممثل أو عينيه فقط  عندما يقترب من الخطر. هذا عدا عن الموسيقى المختصة بأفلام الرُّعْبِ، و هَديرِالرَّعْد ولَمَعانِ البَرْق في مشاهد الليل، وغيرها. و هكذا، فإنك إذا استعرضْتَّ العناصر المُعَرِّفَةَ لأي فَنٍّ فإنك ستراها ماثلةً أمامَك في هذا النوع من الأفلام. ولا أجافي الحقيقة إنْ أَطْلَقْتُ عليها “عِلْمَ أفلام الرعب” بَدَلَ “فَنِّ أفلام الرعب”.

ولكن يبقى السؤال مطروحاً، لماذا يُغْرَمُ البعضُ بأفلام الرُّعْب؟

 بدايةً، دعونا نتفقُ أنَّ أَهَمَّ مرتكز لأفلام الرعب هو عدمُ واقعيتِها , وإدراكُ المشاهدِ أنَّ الذي يشاهده غيرُ واقعي، بلْ إنَّ الكثيَر من حَبكاتِ أفلام الرعب تسيرتماماً عَكْسَ المألوف من تَصَرُّفِ البشر في الواقع. لذلك يقولون أن عليك أن تتفاعلَ مع أحداثِ الفيلم كما هي، دون أن تسقطَ عليها أحكاماً واقعيةً و عقلانيةً، لأنَّ ذلك سيفسدُ عليك متعةَ هذا النوع من الأفلام القائمِ من أصلِهِ على عدمِ الواقعية.

ثم لِنَنْظُر بعدها إلى التَّوَتُّرِ والقلق الذي تشعُر به أثناء المشاهدة، فصحيحٌ أنَّ المرءَ عند مشاهدة هذه الأفلام يكونُ فسيولوجياً في حالةٍ مُسْتَنْفَرٍة( ذكرت دراسةٌ أنَّ مشاهدةَ فيلمِ رعبٍ يتسبب في زيادةِ 14 نبضة لكل دقيقة من معدل ضربات القلب و زيادةٍ كبيرةٍ في ضغط الدم. بالإضافة إلى زيادة في خلايا الدم البيضاء في الدَّم وتركيزٍ أعلى لخضاب الدَّم الهيماتوكريت) إلا أنه سرعان ما يتبدُل الإستنفارُ و الإثارةُ إلى المتعةِ والرضا عندما ينتصرُ الخيُر في النهاية و ينقهِرُ الشرُّ. وهذا يدل على السلوك المتوقع للنفس السَوِيَّةِ التي تَبْهَجُ لرؤية النورِ و قدْ رَدَّ الظلامَ مدحوراً.

إنَّ الرضا الذي يشعر به هواةُ هذا الذوق من الفن، ومستوى السعادةِ التي تسيطر عليهم بعد انتهاء الفيلم، يسببان الإدمانَ على مشاهدة أفلام الرعب. و من هنا، يبدو أنَّ لهذه الأفلام بعضَ الإيجابيات اللا محسوسة، ففرويد  مثلاً يراها ” تنفيساً عن مخاوف و هواجس تم دفنُها بعمقٍ في العقل الباطن”، إنها إحدى وسائلِنا للتخلصِ مما عَلِقَ بشخصياتنا من مشاعرَ سلبيةٍ و نوازعَ عدوانيةٍ. وبمعنى آخر، فإنَّ المشاعرَ السلبيةَ الناتجةَ عن أفلامِ الرعب تُكَثِّفُ في الواقعِ المشاعرَ الإيجابيةَ لدينا حين نرى الحقَّ و قد انتصر في النهاية.

وَ ثَمَّةَ تفسيرٌ آخرُ يَجِدُ صدىً طيباً عند علماء النفس،  وهو أَّن هذا النوع من الأفلام يُلَبِّي في داخِلِنا غريزةَ حُبِّ المغامرة،  فَنُعايِشُ المغامرةَ والإثارةَ عند مشاهدتها، لكنْ – وهنا المهم- دون أدنى درجةٍ من الخطورة، لأننا نعيشُ مغامرةً نتحكمُ في وقتِها، فنترُكَها متى شِئْنا ونَعود إليها متى رَغِبْنا، ثم إنها مغامرةٌ أحداثُها محصورةٌ في شاشةٍ تقبع أمامنا ونتحكم في عملها كيفما نشاء. إنه شعور بالإثارة و المغامرة نَحْمِلُ مفاتيحه ونحن على يقينٍ أنه لا يحملُ لنا شراً ولا يَحْوي خطراً.

و لكنْ، تبقى إشكاليةٌ عسيرةٌ على الفهم، وتطرحُ تَساؤلاً فَطِناً، فإذا صَدَّقْنا كُلَّ ما سبق من نظريات تُظْهِرُ ما بدا و كأنَّهُ إيجابياتٌ لأفلام الرعب، و إذا كان الناس جميعاً مشتركون في هذه الأُسُسِ النفسية، فلماذا إذن نرى البعضَ يَمْقُتُ هذا النوع من الأفلام و لا يكاد يسيغه؟ والجوابُ هَيِّنٌ، فَبِقَدْرِ ما نرى من اتفاقِ النفوسِ البشريةِ في مشاعرَ عدةٍ نرى فيها أيضاً الإختلافَ و التَّمَيُّزَ. نحن ندركُ علمياً أنَّ بعضَ الأَشخاص يملكون إحساساً مرهفاً وتظهر عليهم ردةُ فعلٍ فسيولوجيةٍ مختلفةٍ ومشاعرَ سلبية عاليةٍ عند مشاهدتهم لأفلام الرعب، إنها ببساطة لا تناسب شخصياتهم. وعلى النقيض، نرى أشخاصاً قادرين على استخلاصِ مشاعرَ إيجابيةٍ من دواخِلِهم بعد مشاهدةِ افلامِ الرعب، تماماً كالشعوِر الذي يَتَمَلَّكُ الرياضِيَّ بعد أنْ ينهِيَ تدريبَه مُتَناهي الشِّدَّة. إن ازدياد إفراز الأدرنالين المصاحبِ لأفلامِ الرعبِ يبعثُ في هذا النوعِ من الأشخاصِ شعوراً حقيقياً بالنشوة. و هناك الكثيُر مما كُتِبَ في هذا المجال لمن أراد الإستزادة.

و نهايةً، فإني أرى هذا النوعَ من الأفلامِ جديراً بِتَفَهُّمِ قيمتِهِ الفنيةِ و العلميةِ و النفسيةِ. إنَّهُ فنٌّ موظفٌ لخدمةِ بعضِ خبايا النفسِ البشرية، بلْ لَعَلَّهُ يكونُ مرآةً تَعْكِسُ للخارجِ ما اسْتَمْسَكَهُ العقلُ الباطنُ و اسْتَأْثَرَ بِهِ. على الأَقَل…هذا ما يراهُ فرويد.


اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى